العدد الثالث من مجلة لباب

ﻟﻠﺪراﺳﺎت اﻻﺳﺘﺮاﺗﯿﺠﯿﺔ واﻹﻋﻼﻣﯿﺔ For Strategic andMedia Studies

2019 - أﻏﺴﻄﺲ/آب 3 اﻟﻌﺪد issue 3 - August

"دورﯾـﺔ ﻣﺤﮑﻤـﺔ ﺗﺼـﺪر ﻋﻦ ﻣﺮﮐـﺰ اﻟﺠﺰﯾﺮة ﻟﻠـﺪراﺳـﺎت" A Quarterly Peer- Reviewed Journal Published by Aljazeera Center for Studies L U B A B

اﻟﺘﻨﻈﯿﻤﺎت اﻟﺠﻬﺎدﯾﺔ ﻓﻲﺷﻤﺎل إﻓﺮﯾﻘﯿﺎ ودول اﻟﺴﺎﺣﻞ

ﻓﻲهﺬا اﻟﻌﺪد In this issue

05 06

03 04

01 02 اﻟﺤﺮاك اﻟﺠﺰاﺋﺮي: ﻣﻦ دواﻣﺔ اﻟﺼﻤﺖ إﻟﯽ دواﻣﺔ اﻟﺘﻌﺒﯿﺮ اﻻﻧﺘﻔﺎﺿﺔ اﻟﺴﻮداﻧﯿﺔ.. ﻓﺮص اﻟﺘﺤﻮﻻت وﺗﺤﺪﯾﺎت اﻟﺒﺪﯾﻞ

اﻟﺬﺑﺎب واﻟﻌﺸﺎﺋﺮ اﻹﻟﮑﺘﺮوﻧﯿﺔ: ﻣﻌﺎرك اﻹﺛﺒﺎت واﻹﺑﻄﺎل

اﻟﻔﻌﻞ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ اﻟﺮﻗﻤﻲ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﻌﺮﺑﻲ

ﻋﺶ اﻟﺪﺑﺎﺑﯿﺮ: ﺣﻘﺎﺋﻖ ﻋﻦ وزﯾﺮﺳﺘﺎن

اﻟﺸﺮاﮐﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﯾﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﺠﺰاﺋﺮ واﻻﺗﺤﺎد اﻷوروﺑﻲ

L U B A B ﻟﻠﺪراﺳﺎت اﻻﺳﺘﺮاﺗﯿﺠﯿﺔ واﻹﻋﻼﻣﯿﺔ دورﯾﺔ ﻣﺤﮑﻤﺔ ﺗﺼﺪر ﻋﻦ ﻣﺮﮐﺰ اﻟﺠﺰﯾﺮة ﻟﻠﺪراﺳﺎت 2019 - أﻏﺴﻄﺲ/آب 3 اﻟﻌﺪد

رﺋﯿﺲ اﻟﺘﺤﺮﯾﺮ د. ﻣﺤﻤﺪ اﳌﺨﺘﺎر وﻟﺪ اﻟﺨﻠﯿﻞ

ﻣﺪﯾﺮ اﻟﺘﺤﺮﯾﺮ أ.د. ﻟﻘﺎء ﻣﮑﻲ

ﺳﮑﺮﺗﯿﺮ اﻟﺘﺤﺮﯾﺮ د. ﻣﺤﻤﺪ اﻟﺮاﺟﻲ

هﯿﺌﺔ اﻟﺘﺤﺮﯾﺮ د. ﻋﺰ اﻟﺪﯾﻦ ﻋﺒﺪ اﳌﻮﻟﯽ اﻟﻌﻨﻮد أﺣﻤﺪ آل ﺛﺎﻧﻲ د. ﻓﺎﻃﻤﺔ اﻟﺼﻤﺎدي د. ﻣﺤﻤﺪ اﻟﺸﺮﻗﺎوي د. ﺳﯿﺪي أﺣﻤﺪ وﻟﺪ اﻷﻣﯿﺮ د. ﺷﻔﯿﻖ ﺷﻘﯿﺮ اﻟﺤﻮاس ﺗﻘﯿﺔ ﻣﺤﻤﺪ ﻋﺒﺪ اﻟﻌﺎﻃﻲ

اﳌﺮاﺟﻊ اﻟﻠﻐﻮي إﺳﻼم ﻋﺒﺪ اﻟﺘﻮاب

3 |

المحتويات

5

افتتاحية العدد الانتفاضة السودانية: فرص التحولات وتحديات البديل

9 ..................................... خالد التيجاني النور

ن ِ التواصل الاجتماعي والنشاط السياسي المواط في الحراك الجزائري: من دوامة الصمت إلى دوامة التعبير

49 .............................................. كمال حميدو

الجغرافيا السياسية للتنظيمات الجهادية فيشمال إفريقيا ومنطقة الساحل

101 ........................ محمد محمود أبو المعالي

الفعل السياسي الرقميفي العالم العربي ومنظومة القيم والتحولات

137 ............................ جمال نون، غسان مراد

زمن الذباب والعشائر الإلكترونية: معارك الإثبات والإبطال في مجرة الذكاء الاصطناعي

169............................. عبد الله الزين الحيدري

«إلغاء الصداقة»علىشبكات التواصل الاجتماعي: دراسة حالة مستخدمي فيسبوك بقطاع غزة

203............................................ حيدر المصدر

الاقتصاد الجزائري واتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي: مدخل تقييمي للسياسة العامة والأداء التفاوضي

245....................................... محمد سي بشير

قراءة في كتاب

عش الدبابير: حقائق تحكى لأول مرة عن وزيرستان

271............................... حميدالله محمد شاه

فعاليات منتدى الجزيرة الثالث عشر الخليج: بين الأزمة وتراجع التأثير الاستراتيجي

283 ................................. محمد عبد العاطي

5 |

افتتاحية العدد

البحث العلمي وسط الأحداث الجارية

يصـدر العـدد الثالـث مـن مجلـة لباب، وسـط وضـع إقليمـي متوتـر، حافـل بالتصعيد وخطابــات التهديــد، مــع احتمــالات مختلفــة الأوجــه يقــود كل منهــا إلــى خيــار ـر بشـدة عل ـى أوضـاع المنطق ـة ومسـتقبل شـعوبها وكياناتهـا السياسـية. ِّ اسـتراتيجي يؤث ضعهـا للتحلي ـل الدقي ـق وتقري ـر ُ وترصـد (لب ـاب) بعناي ـة فائقـة كل هـذه التطـورات وت مــا إن كان أي منهــا يســتحق أن يخضــع للدراســة العلميــة الرصينــة والمنهجيــة، أو أن ا لبقائهـا فـي دائـرة المتابعـة الخبريـة ً يكـون اسـتمرار تطـور هـذه الظواهـر السياسـية سـبب التحليليــة دون العلميــة بســبب طبيعتهــا المتحولــة بانتظــار اســتقرارها ليمكــن تحليلهــا ـا والخـروج منه ـا بنتائ ـج دقيق ـة قابل ـة للتعمي ـم. ّ ً علمي والحقيقـة أن الصـراع الحالـي فـي منطقـة الخليـج العربـي هـو فـي كثيـر مـن جوانبـه نتيجة لأوضـاع اسـتراتيجية مسـتمرة منـذ عـدة عقـود، سـواء فـي العلاقـة بـن دول المنطقـة، ـرة فيهـا بشـدة وأبرزهـا بطبيعـة الحـال الولايـات ِّ أو فـي العلاقـة مـع الـدول العظمـى المؤث المتحـدة الأميركيـة. وقـد خضـع الكثيـر مـن تفاصيـل هـذه الأوضـاع وعناصرهـا إلـى بحـوث ودراسـات مهمـة أغنـت المكتبـة العربيـة، غيـر أن التصعيـد الراهـن قـد يفضـي ـا، وهـو مـا تطـط ّ ً ـا وتفصيلي ً ـا رصين ّ ً ا علمي ً إلـى متغيـرات جديـدة تتطلـب بدورهـا تأطيـر (لبـاب) للمسـاهمة فيـه بفاعليـة فـي أعدادهـا القادمـة إن شـاء الله.

| 6

وفـي الوقـت نفسـه، فـإن العـدد الجديـد مـن (لبـاب) يصـدر وقـد أفضـت الانتفاضتـان ف ـي كل م ـن الس ـودان والجزائ ـر إل ـى نتائ ـج واسـتحقاقات م ـا زال ـت تتفاع ـل، لكنه ـا ـا عمـا سـبقهما، مـن أب ـرز علامات ـه: إزال ـة رأس النظـام، ً ا مختلف ّ ً ـا سياسـي ً رسمـت واقع ومعظـم مـن كانـوا بقربـه، كمـا فرضتـا علـى الأطـر السياسـية فـي البلديـن أن يتعامـ وفـق قواعـد الطبقـات الشـعبية وإرادتهـا، حتـى لـو كانـت هنـاك قـوى رفـض مـا زالـت تعمـل علـى إحبـاط نتائـج الانتفاضتـن. وق ـد كان م ـا بلغت ـه الانتفاضت ـان، م ـن م ـدى ونضـج ونتائ ـج، أن صـار م ـن الواجـب مواكبتهمـا بالتحليـل والبحـث العلمـي، وهـو مـا يتضمنـه هـذا العـدد، حيـث تنشـر لباب دراسـتي حـول مجري ـات التحـولات العميقـة فـي كل مـن السـودان والجزائ ـر، سـعيتا إلـى اسـتخدام المنهجيـة العلميـة فـي اختبـار بعـض الفرضيـات المتعلقـة بتطـور الانتفاضـة الش ـعبية ومآلاته ـا ف ـي كل م ـن البلدي ـن، ف ـكان البح ـث المتعل ـق بالس ـودان للدكت ـور، خالــد التيجانــي النــور، يــدور حــول المقاربــة التاريخيــة للانتفاضــة الأخيــرة (الثــورة الثالث ـة) ف ـي مقارن ـة م ـع ثورت ـن ش ـعبيتي س ـابقتي كان لهم ـا تأثي ـر كبي ـر ف ـي تاري ـخ إلـى تقييـم الاحتمـالات الممكنـة لنجـاح الإرادة الشـعبية فـي ً السـودان المعاصـر، وصـو فـرض مطالبهـا وسـط مصاعـب وتحدي ـات جوهري ـة. أمـا البحـث الثانـي، فقـد اختـار لـه الأكاديمـي، كمـال حميـدو، مقاربـة اتصاليـة أصيلـة ومبتكـرة تتعلـق بالانتقـال الحاسـم والمؤثـر الـذي فرضتـه الانتفاضـة فـي الجزائـر، حينمـا نقل ـت واق ـع الاتصـال الجماهي ـري مـن حال ـة م ـا يوصـف بـ”دوام ـة الصمـت”، وهـي الحالـة التـي يسـود فيهـا سـكون تعبيـري علـى فئـات مـن المجتمـع تعـارض التوجهـات العام ـة لوسـائل الإع ـ م، فتخت ـار الصم ـت خش ـية م ـن العزل ـة والاضطه ـاد. وحسـب هـذه الدراسـة المهمـة فـي فكرتهـا ومضمونهـا ونتائجهـا، فـإن الانتفاضـة نقلـت الواقـع الاتصالـي فـي الجزائـر إلـى مـا أسمـاه الدكتـور، كمـال حميـدو، “دوامـة التعبيـر” التـي

البحث العلمي وسط الأحداث الجارية

7 |

ـا علـى المشـاركة فـي الانتفاضـة كسـياق اجتماعـي ّ ً بـات فيهـا السـلوك الجمعـي منصب عـام ومسـيطر. وكان موضـوع الغـ ف فـي العـدد الجديـد يـدور حـول “الجغرافيـا السياسـية للتنظيمـات م فيـه الباحـث، محمد ِّ قد ُ الجهاديـة فـي شـمال إفريقيـا ومنطقـة السـاحل”، وهـو موضـوع ي ـا بمعلوم ـات غني ـة ح ـول انتش ـار التنظيم ـات ً ـا مدعم ّ ً مهم ً محم ـود أب ـو المعال ـي، تحلي ـ الجهادي ـة بتســمياتها المختلف ـة ف ـي مناط ـق متع ـددة بش ـمال إفريقي ـا ودول غرب ـي الق ـارة الســوداء، حيــث تقــدم الطبيعــة الجغرافيــة والظــروف السياســية والاجتماعيــة والأمنيــة ا ً ا وتحديـد ً ـا كبيـر ً ـا لتطـور ونمـو هـذه التنظيمـات بعـد أن واجهـت تراجع ً مـ ذات وفرص علـى مسـتوى الوجـود والانتشـار فـي دول المشـرق العربـي لاسـيما فـي العـراق وسـوريا. لقـد خلصـت هـذه الدراسـة إلـى أن انهيـار مشـروع “دولـة الخلافـة” التـي أسسـها تنظيـم ا نهاي ـة ً “الدول ـة الإسـ مية” ف ـي مناط ـق شاسـعة ف ـي الع ـراق وسـوريا، ل ـم يكـن أب ـد المط ـاف س ـواء له ـذا التنظي ـم أو لتنظيم ـات أخـرى انضم ـت إلي ـه أو تقت ـرب من ـه ف ـي الرؤيـة والأهـداف، حيـث انتقلـت أعـداد مـن مقاتلـي تنظيـم الدولـة إلـى مناطـق فـي ـا ً ا مـن التنظيمـات قـد يكـون بعضهـا أكثـر تطرف ً جديـد ً ـس جيـ ِّ س َ ؤ ُ ت ِ شـمال إفريقيـا ل ممـا عهـده المشـرق العربـي فـي تجربتـه الصعبـة والدمويـة التـي لـم تنتـه فصولهـا بعـد، ـا أمـام مسـؤولية البحـث فـي الأسـباب الحقيقيـة ً ومثـل هـذه الخلاصـات تجعلنـا جميع التـي تقـود إلـى مثـل هـذه الدائـرة المغلقـة مـن العنـف والعنـف المضـاد. وفـي عددهـا الجديـد، تسـتمر (لبـاب) فـي تقـديم دراسـات إعلاميـة رصينـة مـن بينهـا دراسـة عـن “الفعـل السياسـي الرقمـي فـي العال ـم العرب ـي”، وهـو بحـث ي ـدرس في ـه الأكاديميــان، الدكتــور جمــال نــون والدكتــور غســان مــراد، بعمــق وتفصيــل آليــات ا وسـائل التواصـل الاجتماعـي فـي تقـديم الرسـائل ً اسـتخدام الإعـ م الرقمـي وتحديـد ً السياســية، وقــد تضمــن البحــث عشــرات الجــداول الإحصائيــة التــي ســتكون دليــ

| 8

ـا للباحث ـن ف ـي التع ـرف عل ـى المـدى ال ـذي بلغ ـه المشـتغلون بالسياسـة أو الناشـطون ّ ً مهم فـي تسـخير القـدرات الضخمـة لوسـائل الإعـ م الجديـد سـواء لنقـل رسـائل سياسـية أو لتحقي ـق أهـداف مرحلي ـة أو لاسـتثارة الشـارع أو السـيطرة علي ـه. ويـدور بحـث آخـر للأكاديمـي، عبـد الله الزيـن الحيـدري، حـول مصطلـح شـاع بكثـرة فـي ـا آخـر ً الواقـع الإعلامـي الجديـد وهـو “الذبـاب الإلكترونـي”، لكنـه أضـاف إليـه مصطلح ا مقاربـة مبتكـرة وبعمـق فلسـفي لدراسـة النشـاط ً أسمـاه “العشـائر الإلكترونيـة”، مسـتخدم الاتصالـي فـي إطـار هذيـن الاصطلاحـن. ويتضم ـن ه ـذا الع ـدد، دراسـات أخـرى متع ـددة منه ـا دراسـة الأكاديم ـي، محم ـد سـي بشـير، حـول “الاقتصـاد الجزائـري واتفاقيـة الشـراكة مـع الاتحـاد الأوروبـي: مدخـل تقييمـي للسياسـة العامـة والأداء التفاوضـي”، ودراسـة للباحـث حيـدر المصـدر حـول ظاهـرة “إلغـاء الصداقـة علـى شـبكات التواصـل الاجتماعـي” مـع دراسـة حالـة فـي قطـاع غـزة. وسـتكون زاويـة “قـراءة فـي كتـاب” مخصصـة فـي العـدد الجديـد مـن (لبـاب) حـول ترجـم إلـى العربيـة، عنوانـه “عـش الدبابير.. ُ ا باللغـة البشـتونية ولـم ي ً كتـابصـدر مؤخـر ـص فيـه الباحـث ومراسـل شـبكة الجزيـرة ِّ كـى لأول مـرة عـن وزيرسـتان” يلخ ُ حقائـق فـي أفغانسـتان، حميـد الله محمـد شـاه، المعلومـات الغنيـة التـي تكشـف لأول مـرة عـن طبيع ـة مـا شـهدته هـذه المنطق ـة الجبلي ـة، الواقع ـة ف ـي أقصـى شـمال غـرب باكسـتان علـى الحـدود مـع أفغانسـتان، مـن تفاصيـل متعلقـة بحركـة طالبـان وعلاقاتهـا الخارجية. ص فـي هـذا العـدد لمنتـدى الجزيـرة الثالـث عشـر الـذي َّ أمـا زاويـة “فعاليـات”، فسـتخص ناقـش، علـى مـدى يومـن، موضـوع “الخليج بـن الأزمـة وتراجـع التأثير الاسـتراتيجي”، ً ويق ـدم في ـه الباحـث ف ـي مرك ـز الجزي ـرة للدراسـات، محم ـد عب ـد العاط ـي، تفصي ـ ـا للمداخـ ت المهمـة التـي قدمهـا المشـاركون فـي المنتـدى. ّ ً نقدي هيئة التحرير

9 |

الانتفاضة السودانية فرص التحولات وتحديات البديل

* خالد التيجاني النور

مقدمة ، فــي إســقاط ثالــث 2019 أبريل/نيســان 11 نجــح الحــراك الشــعبي الســوداني، فــي طـرح مـن جديـد سـؤال ُ نظـام عسـكري عرفتـه البـ د خـ ل العقـود السـتة الماضيـة، لي ـا ً ج ِ ت ْ ن ُ مصي ـري عـن الفـرص والتحديـات أمـام هـذا الحـراك الشـعبي الثالـث ليكـون م ر البـ د مـن بنيـة النظـام السياسـي ِّ سـهم فـي تحقيـق تغييـر حقيقـي عميـق الجـذور يحـر ُ وي ــس لمشــروع وطنــي يســهم فــي بنــاء مجتمــع ِّ س َ ؤ ُ القــديم بــكل إخفاقاتــه الموروثــة، وي ديمقراطـي مسـتدام يضـع السـودان عل ـى أعت ـاب مسـتقبل جدي ـد. ا أسـئلة التأسـيس ً التحـدي الماثـل أمـام الحـراك الثـوري السـوداني الثالـث أنـه يواجه أيض ، الـذي أسـقط نظـام إبراهيـم 1964 وأجنـدة التغييـر ذاتهـا التـي واجهـت سـابقيه (فـي ن السـودانيون َّ ، الـذي أسـقط نظـام جعفر نميـري)، فلمـاذا تمك 1985 عبـود، والثانـي، فـي

* د. خالد التيجاني النور، باحث وخبير في الشؤون السياسية السودانية.

| 10

مـن تحقيـق تلـك الانتفاضـات ضـد الأنظمـة العسـكرية، ومـع ذلـك يسـتعصي عليهـم تحقي ـق تغيي ـر سياس ـي واقتصـادي واجتماع ـي ش ـامل؟ وم ـا العوام ـل المانع ـة لتأس ـيس خـرج البـ د مـن حالـة الأزمـة المسـتدامة، والـدوران فـي الحلقـة ُ نظـام حكـم فاعـل ي المفرغـة المعروفـة فـي أدبيـات السياسـة السـودانية بـ”الـدورة الخبيثـة” التـي ظلـت تتعاقب فيه ـا الأنظم ـة الشـمولية والث ـورات والفت ـرات الانتقالي ـة والحكـم المدن ـي بوتي ـرة عل ـى ـس لقطيعـة مـع النظـام ِّ س َ ؤ ُ ت ٍ ة َ ـر ْ ب ِ ولا ع ٍ ـة َ ظ ِ نسـق متكـرر يعيـد فيـه التاريـخ نفسـه دون ع السياسـي القـديم المـأزوم برمتـه، وتؤسـس لبديـل ناجـع؟ للجيـل الجديـد َّ مـا أن نجـح الحـراك الشـعبي فـي إسـقاط نظـام عمـر البشـير حتـى تبـن ـا وحـده لحـدوث تغييـر تلقائـي ً مـن الشـباب عمـاد هـذه الثـورة، أن ذلـك ليـس كافي يحقـق تطلعاتـه فـي التغييـر وتجسـيد مطالبـه (حريـة.. وسـ م.. وعدالـة)، فالصـراع الذي احتـدم عقـب سـقوط النظـام بـن المجلـس العسـكري الانتقالـي وقـوى الحريـة والتغييـر حـول تشـكيل وترتيبـات الفتـرة الانتقاليـة، والتنـازع المدنـي والعسـكري، لا يعكـس فـي الواقـع سـوى وجـه واحـد مـن وجـوه عديـدة وعوامـل متشـابكة تحكـم الصـراع علـى تشـكيل مسـتقبل السـودان. ل شـامل فـي بنيـة النظـام ُّ يسـعى هـذا البحـث لتحليـل الأسـباب التـي تجعـل حـدوث تحـو السياسـي والاجتماعـي السـوداني القـديم المعطـوب لتأسـيس نظـام جديد يحقق الاسـتقرار ـا بالكثيـر مـن التعقيـدات بفعـل عوامـل داخلية ً ا محاط ً والسـ م والتنميـة والديمقراطيـة أمـر ا بقـوة فـي ً وأخـرى خارجي ـة، عل ـى الرغـم مـن أن مطل ـب التغيي ـر الجـذري ظـل حاضـر الأجنـدة الوطنيـة مـن خـ ل ثـ ث انتفاضـات مـا فتئـت تجهضهـا ظاهـرة العجـز المتكـرر ـا للنخـب السياسـية فـي ترجمـة هـذه الفـرص إلـى واقـع جديـد. ً أيض وهن ـا، يب ـرز الس ـؤال المرك ـزي للدراس ـة: لم ـاذا تنته ـي مح ـاولات الس ـودانيي بع ـد كل

11 |

الانتفاضة السودانية فرص التحولات وتحديات البديل

ا لتأسـيس تحـول ديمقراطـي بال ـدوران فـي حلقـة ّ ً ـا عسـكري ً حـراك ث ـوري يسـقط نظام مفرغـة تعيـد إنتـاج الواقـع المـأزوم؟ وهـل ثمـة معطيـات جديـدة أمـام الحـراك الثـوري الثال ـث للخـروج مـن هـذا المـأزق التاريخـي؟ ــا، ّ ً ــا تحليلي ّ ً ــا ووصفي ّ ً ا-تاريخي ّ ً لدراســة هــذه الإشــكالية يســتخدم الباحــث منهــج بنيوي ا، ّ ً ـا وثقافي ّ ً سـة للكيـان السـوداني، اجتماعي ِّ س َ ؤ ُ ك البنـى الم ِّ يرصـد الوقائـع التاريخيـة ويفـك ل مـن خلالهـا، َّ ا، ويقـوم بعملي ـة تحلي ـل مضمـون لقـراءة الأنسـاق الت ـي تشـك ّ ً وسياسـي ولتفســير أســباب الفشــل فــي اســتيعاب تركيبتــه المتنوعــة، واســتدامة حالــة الانقســام المجتمعـي وتن ـازع الهويـات، وتأثي ـر معطياتهـا فـي تشـكيل أوضاعـه الراهن ـة، وتحديـد مسـتقبله. فيمـا لا تـزال وقائـع ٍ مسـتقبلية ٍ لأسـئلة ٍ عـن إجابـة ِ البحـث ُ معضلـة َ وتواجـه هـذه الدراسـة الحـراك الشـعبي تتفاعـل وسـط عوام ـل متحرك ـة وتعقي ـدات متشـابكة، تتقل ـب فيه ـا المواقـف وتتقاطـع الأجنـدة المتنافسـة علـى تشـكيل مسـتقبل السـودان. ) أنه ـا Crane Brinton( وثم ـة حاج ـة لتحري ـر مفه ـوم “الث ـورة” الت ـي ي ـرى كري ـن برن ـن “مـن الكلمـات التـي تتصـف بالغمـوض، ومـرادف تأكيـدي لكلمـة تغييـر، مـع الإيحـاء بأنـه مفاجـئ، وأن مصطلـح الثـورة يثيـر القلـق لعالـم الدلالـة ليـس بسـبب مـداه الواسـع فـي الاسـتخدام فحسـب، بـل لأنـه كذلـك مـن الكلمـات المشـحونة بالمحتـوى الانفعالـي فــي الواقــع”، ويخلــص إلــى تعريفهــا بأنهــا “حركيــة ديناميكيــة تتميــز بالانتقــال مــن )، وبهـذا المفهـوم، فـإن اسـتخدام 1(” بنيـان اجتماعـي إلـى تأسـيس بنيـان اجتماعـي آخـر وصـف الث ـورة ف ـي الحال ـة الس ـودانية، يأت ـي م ـن ب ـاب المجـاز م ـن واق ـع أن حـدوث تغيي ـر جـذري فـي البني ـة السياسـة والاجتماعي ـة ل ـم يتحقـق فحسـب، ب ـل يت ـم إعـادة إنت ـاج نسـق النظـام السياسـي الق ـديم الم ـأزوم نفسـه، ولذل ـك ف ـإن اسـتخدام وصـف

| 12

“حـراك ثـوري” أقـرب للتعبيـر عـن حالـة لا تـزال معطياتهـا تتفاعـل.

. المأزق التاريخي وجدلية التركيب 1 يصـف محمـد حـاج حمد جـذور الأزمـة الوطنيـة بأبعادهـا المختلفـة بـ”المـأزق التاريخي )، فقــد عــادت لتواجــه 2( وجدليــة التركيــب” الــذي ظــل يواجــه الكيــان الســوداني ا أزمــة الافتقــار إلــى “مشــروع وطنــي جامــع”؛ إذ لا يــزال العديــد ً الســودانيي مجــدد قهــا حالــة الانقســام المســتدام ِّ عم ُ مــن قضايــا التأســيس عالقــة بــ اتفــاق حولهــا، وت فــي الواقــع الســوداني، التــي تســببت فــي عرقلــة التوافــق الوطنــي “بســبب النظــرة المحـدودة لمقومـات الوطنيـة السـودانية، وعجـز النخبـة عـن خلـق إطـار جامـع يحتـوي ). فمسـائل تعري ـف الهوي ـة، واسـتيعاب التن ـوع متع ـدد الأبع ـاد، 3(” كل أهـل السـودان والعلاقـة بـن الديـن والدولـة، وصـراع المركـز والهامـش، والطائفيـة والقبليـة، والصـراع الأيديولوجـي ب ـن اليسـار واليم ـن، والتن ـازع عل ـى السـلطة ب ـن المدن ـي والعسـكري، وتنافـس الأجنـدة الأجنبيـة والإرادة الوطنيـة، كل هـذه الثنائيـات المتصارعـة فـي الحيـاة السياسـية السـودانية ظلـت العامـل الثابـت لعقـود فـي الجـدل حـول تشـكيل مسـتقبل السـودان، كمـا تكشـف مـدى الانقسـام المسـتدام بـن المكونـات المختلفـة فـي تصوراتها ـس علي ـه الدولـة الوطني ـة. َّ س َ ؤ ُ حـول مـا ينبغـي أن ت ويقـف سـؤال الهوي ـة مث ـار الجـدل الأب ـرز فـي بل ـد شـديد التن ـوع فـي تركيبت ـه الإثني ـة ـا، فقـد أدى ّ ً ا نخبوي ً والثقافيـة والاجتماعيـة والدينيـة، وفـي الحالـة السـودانية ليـس شـأن بة لهــذا التنــوع إلــى أن يفقــد الســودان ِ الفشــل فــي تعريــف الهويــة الوطنيــة المســتوع وحدتـه الترابيـة وتقسـيمه بتبعـات الفـوارق الناشـئة عنهـا التـي أشـعلت الحـرب الأهليـة ، وأفضـت إلـى انفصـال جنـوب السـودان فـي 1955 بـن الشـمال والجنـوب فـي العـام

13 |

الانتفاضة السودانية فرص التحولات وتحديات البديل

، بسـبب عجـز الطبقـة السياسـية علـى مـدار سـنوات الحكـم الوطنـي عـن 2011 العـام تقـديم إجابـة علـى هـذا السـؤال المركـزي، واستسـهال خيـار تقريـر المصيـر الـذي قـدم .)4(” “الإجاب ـة الخاطئ ـة عل ـى السـؤال الصحي ـح َ ز الصــراع بــن المركــز والهامــش، كبعــد آخــر لمســألة الهويــة المتنازعــة، تأجيــج َّ وعــز د مسـلح ُّ ل الاحتجاجـات فـي الأطـراف إلـى تمـر ُّ الحـروب الأهليـة واتسـاع نطاقهـا بتحـو ضـد المرك ـز النيل ـي العروب ـي الإس ـ مي المته ـم بالس ـيطرة عل ـى الس ـلطة والث ـروة من ـذ تقسـيم السـودان َّ الاسـتقلال علـى حسـاب الهامـش الغالـب بإثنياتـه الإفريقيـة، ولم يحل السـؤال، فقـد كان الرهـان أن التضحيـة بوحـدة البـ د سـتجلب السـ م المسـتدام، ولكن نــت الطبيعــة المعقــدة والمركبــة لهــذا الصــراع حتــى داخــل الكيانــن َّ ســرعان مــا تبي المنقسـمي، فأعيـد إنتـاج الحـرب فـي صـراع داخلهمـا حـول المفاهيـم ذاتهـا. ويـرى عبـد الغفـار محمـد أحمـد أن قضيـة تعريـف الهويـة بتجلياتهـا المتعـددة “لا تـزال ـل أحـد العوامـل شـديدة الأهميـة فـي تشـكيل مصيـر السـودان ومسـتقبله السياسـي، ِّ تمث ، وشـهد تحـولات عبـر القـرون، ً ـا متواصـ ّ ً ا ديناميكي ً طـر شـهد فـي تاريخـه تحـرك ُ فهـو ق نظـر إليـه كجسـر يربـط بـن ُ لت تركيبتـه السـكانية، ي َّ ـا لهجـرات متعـددة شـك ً وكان هدف ا متعـدد الهامشـية ّ ً ا هامشـي ً طـر ُ الثقافتـن العربيـة والإفريقيـة، بينمـا يـراه علـي مزروعـي ق .)5(” فـي علاقاتـه مـع المنطقتـن، وحتـى فـي داخلـه ويذهـب إلـى أن “تاريـخ السـودان يتميـز باسـتمرارية بـارزة، فهـو يتكـون مـن سلسـلة ـا فـي ً أحـداث وتطـورات مترابطـة ترجـع إلـى قـرون عديـدة، ولا يـزال تأثيرهـا واضح تشــكيل العلاقــات وحــالات النــزاع الراهنــة فــي مختلــف مناطــق البــ د، وبــدون الإلمــام بديناميــات التفاعــل بــن النــاس خــ ل تلــك الأحــداث والتطــورات، مــن .)6(” ـم التعقي ـدات المتع ـددة الت ـي تمي ـز الوضـع الراه ـن ُّ الصع ـب تفه

| 14

) علـى تأثيـر الاسـتمرارية فـي تاريـخ السـودان Robert Collins( ويؤكـد روبـرت كولينـز ا بالـدول المسـيحية (نوباتيـا- المقـرة ً م)، مـرور 350– ق.م 760( الممتـد مـن مملكـة كـوش ،)-1821 1505( )، وعهــد الســلطنات الإســ مية فــي الفــونج 350-1505 : – علــوة -). ويــرى أن “أي محاولــة لفهــم ســودان 1916 1899( -) ثــم 1874 1641( ودارفــور اليـوم يجـب أن تقـوم علـى البحـث فـي وقائـع مئتـي عـام الأخيـرة؛ ذلـك أن مجـيء -) لــم 1898 1881( الأتــراك والبريطانيــن إلــى الســودان قبــل وبعــد الثــورة المهديــة لشـعوب السـودان، فقـد ً يـؤد فحسـب إلـى إضافـة المزيـد مـن التنـوع المدهـش أصـ تـرك كل طـرف مـن أولئـك الغـزاة وراءه، وعلـى طريقتـه الخاصـة، طبقـات إضافيـة مــن المؤسســات الغريبــة فــوق عناصــر أصليــة عميقــة الجــذور فــي نســيج الماضــي .)7(” الســوداني بالــغ ً ان مدخــ َّ ــد َ ع ُ إن إعــادة قــراءة تاريــخ الســودان وتحليــل الخلفيــات التاريخيــة ي الأهميـة فـي فهـم جـذور النزاعـات السـودانية الراهنـة بطبيعتهـا المعقـدة، والاسـتقطاب السياســي الحــاد الــذي تنتجــه مــع اســتمرار العجــز فــي اســتيعاب التنــوع والتعــدد ) فـي ذلـك “حـرب رؤى Francis Deng( بتركيبتـه المتشـابكة، ويـرى فرانسـيس دينـق ونــزاع هويــات نتــاج المشــاكل الإثنيــة والدينيــة التــي ظلــت مكبوتــة لفتــرة طويلــة، ـر عـن نفسـها بالعنـف الـذي يهـدد هـذه الـدول بالتجزئـة والتفتـت، ِّ حيـث تبـرز لتعب .)8(” وربم ـا بالانهي ـار الت ـام بسـبب الصـراع عل ـى السـلطة ومصـادر الث ـروة أ- نشأة السودان الحديث ـب نشـأة السـودان الحديـث ككيـان سياسـي بحـدوده المعروفـة اليـوم إلـى محمـد َ س ْ ن ُ ت ، التـي أنهـت حكـم سـلطنة الفـونج 1821 علـي باشـا، والـي مصـر، بحملتـه، فـي العـام كأول سـلطنة إسـ مية، والت ـي سـيطرت عل ـى معظـم 1505 الت ـي تأسسـت فـي العـام

15 |

الانتفاضة السودانية فرص التحولات وتحديات البديل

ـا حت ـى منطق ـة البحي ـرات ث ـم ً وسـط وشـمال السـودان، وتمـدد الغ ـازي التركـي جنوب ، ليضمهـا إلـى الإمبراطوريـة العثمانيـة. 1874 ـا سـلطنة دارفـور فـي ً لاحق َّ ضـم ، تحـت رايـة محمـد علـي باشـا، حـدوده السياسـية َ ولـم يمنـح الحكـم التركـي السـودان ا ف ـي وضـع أس ـس الدول ـة الحديث ـة بإدخـال التط ـور الإداري ً فحس ـب، ب ـل كان س ـبب وإنشـاء الدواوي ـن الحكومي ـة، وإدخـال التعلي ـم النظامـي المدن ـي والعسـكري، وتطوي ـر .)9( القطـاع الاقتصـادي ب- نشأة الحركة الوطنية الحديثة ارتبطـت نشـأة الحركـة الوطنيـة المعاصـرة فـي السـودان بتطـور التعليـم الحديـث عندمـا كمعهـد عـال، أصبحـت 1902 أسـس البريطانيـون “كليـة غـردون التذكاريـة” فـي العـام ـا جامعـة الخرطـوم، لتخريـج مواطنـن يتـم تأهيلهـم للعمـل فـي وظائـف مسـاعدة ً لاحق ـس َّ لـإدارة الاسـتعمارية، لينافـس بذلـك نظـام التعلي ـم المصـري المدرسـي الـذي تأس فـي العهـد التركـي السـابق. كان لنظـام التعليـم وتأثيـره أهميـة بالغـة فـي تشـكيل وعـي )10(” النخ ـب المتعلم ـة، وف ـي تصوراته ـا عن ـد البح ـث ع ـن تأس ـيس “قومي ـة س ـودانية وارتباطاتهـا، وفـي صناعـة خياراتهـا السياسـية لاسـيما فـي الصـراع المصري-البريطانـي حـول مسـتقبل السـودان السياسـي. ل اتجاهـات الحركـة السياسـية السـودانية المعاصـرة الرئيسـية، حوالـي العـام َّ بـدأت تتشـك ، بتأثيــر عــدة عوامــل كان فــي مقدمتهــا مبــادرة الرئيــس الأميركــي، تومــاس 1920 ، التــي تضمنــت المبــادئ 1918 )، فــي Thomas Woodrow Wilson( وودرو ويلســون الأربعـة عشـرة التـي نـادى بهـا كبرنامـج للسـلم العالمـي داعيـة لحريـة الشـعوب وحقهـا ف ـي تقري ـر مصيره ـا، ودعوت ـه لإنش ـاء رابط ـة ل ـ مم بغ ـرض توفي ـر ضمان ـات متبادل ـة .)11( للاســتقلال السياســي والســ مة الإقليميــة للــدول كبيرهــا وصغيرهــا

| 16

فـي مصـر ومطالبـة الوفـد باسـتقلال 1919 ـا انـدلاع ثـورة ً ومـن بـن هـذه العوامـل أيض ا منهـا، وقـول سـعد زغلـول: “إن مطالـب الوفـد تشـمل ً مصـر والسـودان باعتبـاره جـزء الســودان لأن مصــر والســودان كل لا يقبــل التجزئــة، وأن الســودان ألــزم لمصــر مــن .)12(” الإســكندرية كان للخــ ف بــن دولتــي الحكــم الثنائــي، بريطانيــا ومصــر، حــول مركــز الســودان ومسـتقبله السياسـي الأثـر المباشـر فـي أن تبـدأ الحركـة السياسـية السـودانية منقسـمة بـن بــأن الســودان جــزء 1919 موقفــن، فقــد رفــض فريــق مــن الســودانيي ادعــاء ثــورة لا يتجــزأ مــن مصــر، وأنــه وطــن قوميــة قائمــة بذاتهــا، ونشــأ عنهــا تيــار الأحــزاب الاســتقلالية التــي تبنــت شــعار “الســودان للســودانيي”. ومــا لبــث أن نهــض فريــق آخــر مــن نخبــة المتعلمــن، منــاوئ لتيــار “الاســتقلاليي”، “جمعيـة الاتحـاد السـوداني”، التـي دعـت للاسـتقلال 1920 ـس فـي العـام نفسـه ِّ س َ ؤ ُ لي فـت نفسـها بأنهـا “حركـة َّ التـام لـوادي النيـل وترفـض فصـل السـودان عـن مصـر، وعر وطنيـة فـي السـودان أساسـها القوميـة الصادقـة، وغايتهـا تأييـد الشـعب المصـري، وألا ـا بميـ د ً ). وكان ذلـك إيذان 13(” ينفصـل السـودان عـن مصـر بـأي حـال مـن الأحـوال ـا الأحـزاب “الاتحاديـة”. ً ـرت عنـه لاحق َّ التيـار الـذي عب ا فـي السياسـة السـودانية فهو اتـاذ الإدارة ً ا عميق ً ـا تأثيـر ً أمـا التحـول الـذي سـيترك لاحق لوا قاع ـدة لمقاوم ـة للاس ـتعمار، َّ ـا ضـد المتعلم ـن الذي ـن ش ـك ً ـا صارم ً البريطاني ـة موقف ولجـأت إلـى سياسـة بديلـة بتوطيـد دور القـوى القبليـة التقليديـة، وذلـك بالتوسـع فـي تطبي ـق الحك ـم المباشـر القائ ـم عل ـى نظ ـام الإدارة الأهلي ـة، والحـد م ـن دور المتعلم ـن دخـل بذلـك العامـل القبلـي والتقليـدي كلاعـب أساسـي ُ ) لت 14( فـي الخدمـة الحكوميـة فـي المعادل ـة السياسـية ظل ـت تلجـأ إليهـا السـلطات المركزي ـة، حت ـى فـي ظـل الدول ـة

17 |

الانتفاضة السودانية فرص التحولات وتحديات البديل

الوطنيـة، كورقـة فـي مواجهـة دور النخـب المتعلمـة. نتيجـة التضييـق الاسـتعماري، ٍ ـون ُ م ُ عـاد الخريجـون للاهتمـام بالعمـل السياسـي، بعـد ك بـن مصـر وبريطانيـا، والتـي اسـتفزهم إعـ ن أحكامهـا 1936 بأثـر مـن إبـرام معاهـدة المتعلقــة بالســودان دون مشــاركة الســودانيي، حيــث أصيــب الــرأي العــام الســوداني .)15( المسـتنير بصدمـة لأن المعاهـدة تجاهل ـت الطموحـات الوطني ـة ا بـن الخريجـن حـول مـا ينبغـي عملـه وواجبهـم بعـد ً ـا واسـع ً ونقاش ً أثـار ذلـك جـد هـذه المعاهـدة التـي تجاهلـت السـودانيي فـي تقريـر مصيرهـم، لينعقـد الاجتمـاع العـام ـا إلـى “تكويـن القوميـة ً ، داعي 1938 التأسيسـي لـ”مؤتمـر الخريجـن”، فـي فبراير/شـباط طريــق مســتقل للنخبــة الوليــدة لتجتمــع حــول َّ الســودانية”، ولكنــه لــم يســتطع شــق مشـروع وطنـي وسـط الانقسـام بـن دعـاة الاسـتقلال ودعـاة الاتحـاد مـع مصـر، فآثـروا حــول زعيمــي طائفتــي، الختميــة بزعامــة َ ــت الخلافــات بينهــم- الالتفــاف َّ -وقــد دب علـي الميرغنـي، والأنصـار بزعامـة عبـد الرحمـن المهـدي الـذي رعـى تأسـيس حـزب الأمـة بتحالـف ثلاثـي بـن أتباعـه وزعمـاء العشـائر ونفـر مـن الخريجـن، كأول حـزب )، ثـم تبعـه تأسـيس حـزب “الأشـقاء” 16(1945 مـارس/آذار 13 سياسـي سـوداني، فـي ـا الحـزب ً ذي الميـول الاتحاديـة، والحركـة السـودانية للتحـرر (حسـتو)، الـذي أصبـح لاحق ، وتأسسـت جماعـة “الإخـوان المسـلمي” فـي الفتـرة نفسـها كـرد 1949 الشـيوعي فـي فعـل علـى المـد الشـيوعي. ج- الجيش: من الاحتراف إلى السياسة ل فيـه الحركـة السياسـية المدنيـة، بـدأ تأسـيس الجيـش َّ فـي الوقـت الـذي كانـت تتشـك ، وجــاء 1925 يناير/كانــون الثانــي 17 الســوداني بإنشــاء “قــوة دفــاع الســودان”، فــي تأسيسـها بقـرار مـن الحكومـة البريطانيـة بعـد إبعـاد القـوات المصريـة مـن السـودان فـي

| 18

.)17( إطـار الصـراع بينهمـا عل ـى مسـتقبل السـودان حرصـت بريطاني ـا عل ـى إبق ـاء ق ـوة دف ـاع السـودان “مهني ـة احترافي ـة”، وعزلتهـا عزل ـة ـا للمؤث ـرات السياسـية، ونجحـت السياسـة البريطاني ـة ً تامـة عـن “المجتمـع المدن ـي” تجنب فــي إبعــاد العســكريي عــن لعــب أي دور سياســي طــوال الفتــرة الاســتعمارية، ولــم عــرف للعســكرية الســودانية دور فــي تحقيــق الاســتقلال. ُ ي ، بتدبيـر مـن رئيـس 1958 نوفمبر/تشـرين الثانـي 17 عـرف السـودان أول انقـ ب، فـي الـوزراء، وسـكرتير عـام حـزب الأمـة، عبـد الله خليـل، حـن أوعـز إلـى قيـادة الجيـش ر أنهـا تحيـط بالبـ د، فيمـا كان السـبب َّ التدخـل واسـتلام السـلطة لتلافـي مخاطـر قـد المباشــر لتســليمه الســلطة للجيــش قطــع الطريــق علــى تحالــف رعتــه مصــر لإســقاط .)18( حكومت ـه الائتلافي ـة ) أن الأوضـاع 1969 1966-( ، ويـرى محمـد أحمـد محجـوب، رئيـس الـوزراء الأسـبق ف ـي الس ـودان عق ـب الاس ـتقلال عكس ـت أزم ـة الأحـزاب السياس ـية المتصارع ـة عل ـى الســلطة وتغليــب مصالحهــا الذاتيــة فــي غيــاب توافــق علــى مشــروع وطنــي للدولــة ـرت جميعها َّ ـا مـن الأحـزاب، فقص ً ـا “كان الشـيء الكثيـر متوقع ً السـودانية المسـتقلة حديث فـي تحقيـق هـذه التوقعـات؛ إذ لـم يكـن لديهـا برامـج مفصلـة ومحـددة لمعالجـة النمـو ــا ً وفق َ عــال ُ رحــت بعــد الاســتقلال كانــت ت ُ الاقتصــادي والاجتماعــي، وكل قضيــة ط .)19(” لأهـواء حزبي ـة بيـد أن القـراءة الفاحصـة لمـا هـو أبعـد مـن العوامـل الداخليـة والصـراع الحزبـي الـذي أدى إلـى تدخـل الجيـش فـي السياسـة وإجهـاض حقبـة الديمقراطيـة الأولـى بإيعـاز مـن ا فـي هـذا الخصـوص ً ا مؤثـر ً طـرف مدنـي، تشـير إلـى أن ثمـة عوامـل خارجيـة لعبـت دور ـا طـوال ً فـي إطـار صـراع النفـوذ البريطاني-المصـري علـى السـودان الـذي ظـل محتدم

19 |

الانتفاضة السودانية فرص التحولات وتحديات البديل

ـا فـي تشـكيل اتجاهـات السياسـة ّ ً ا مهم ً النصـف الأول مـن القـرن العشـرين، ولعـب دور 1958 السـودانية ونشـأة الأحـزاب وتوجهاتهـا. فقـد كشـفت وثيقـة بريطانيـة عن انقـ ب ، “كان 1956 ا ف ـي الأجن ـدة، من ـذ أزم ـة السـويس ً أن التخطي ـط للانق ـ ب كان حاضـر عندمـا بـدأ المصريـون يهـددون الحـدود 1957 ـا، وبعـد سـنة ً ـا حكيم ّ ً هـذا إجـراء احترازي ا مـن ً الشـمالية للسـودان، تم تجديـد وتعديـل خطـط السـيطرة علـى الحكـم المعـدة مسـبق قبـل الجيـش، كمـا تم تعديـل هـذه الخطـط مـرة أخـرى عندمـا اضطربـت الأوضـاع بعـد .)20(”1958 الانقـ ب العسـكري الـذي قـام بـه الجيـش العراقـي فـي بغـداد عـام ــا فــي طبيعــة الجيــش ّ ً جذري ً تربــة خصبــة هيــأت انتقــا 1958 ل نجــاح انقــ ب َّ شــك س ِ الســوداني مــن الــدور الاحترافــي كحــارس للنظــام إلــى لعــب دور الحاكــم الممــار ، وضـح لـكل الأحـزاب أهميـة الجيـش فـي حسـم الصراعـات 1958 “بنجـاح انقـ ب ، فتسـارعت وتيـرة الجهـود فـي اختراقـه وبنـاء ً ـع منـه مسـتقب َّ السياسـية، والـدور المتوق الخلايـا التنظيميـة والقواعـد وتيـارات التعاطـف فـي داخلـه. فـي تلـك المرحلـة، ولـم يمـضعلـى نجـاح الانقـ ب أقـل مـن عـام، كان العمـل السياسـي التنظيمـي الموجـه مـن .)21(” الأحـزاب السياسـية قـد غـرس أولـى لبناتـه فـي جسـم الجيـش السـوداني )، وجماعة 22( اخترقـت التنظيمـات الأيديولوجيـة الناشـئة، والحزب الشـيوعي السـوداني الـة للوصـول إلـى السـلطة بأقصـر الطـرق، َّ )، الجيـش كوسـيلة فع 23( الإخـوان المسـلمي “القوميـن العـرب، والشـيوعيي، والضبـاط الديمقراطيـن تحـت َّ تحالـف ضـم َ ـذ َّ ف َ فقـد ن . جـاء ذلـك التحالـف إلـى 1969 مايو/أيـار 25 رايـة تنظيـم الضبـاط الأحـرار انقـ ب فـي طيات ـه الكثي ـر مـن َّ السـلطة وهـو يحمـل برنامـج الجبهـة الديمقراطي ـة، الـذي ضـم المشــروع السياســي للحــزب الشــيوعي، وكان تشــكيل مجلــس قيــادة ثــورة مايو/أيــار .)24(” مـرآة صادقـة لذلـك التحالـف

| 20

. الحركة الإسلامية ونظام الإنقاذ 2 ، خـارج سـياق سـابقيه؛ حي ـث 1989 يونيو/حزي ـران 30 جـاء الانق ـ ب الثال ـث، ف ـي ـرا بإيع ـاز م ـن ق ـوى سياس ـية. ِّ ب ُ د ْ ن ِ ا، وإ ً ـا وتنفي ـذ ً ـا، تطيط ً ا خالص ّ ً ا عس ـكري ً كان ـا ش ـأن ـا ذوي توجه ـات إسـ مية قام ـوا ً عتق ـد عل ـى نطـاق واسـع م ـن أن ضباط ُ ـا لم ـا ي ً وخلاف بـه، إلا أن هـذا الانقـ ب تم بقـرار وتدبيـر الحركـة الإسـ مية السـودانية بزعامـة حسـن ) ليسـجل ذلـك سـابقة 25(” الترابـي، وبتخطيـط وتنفيـذ كامـل بواسـطة “التنظيـم الخـاص فـي السياسـة السـودانية بتدبيـر كامـل مـن خـارج القـوات المسـلحة، وهـو تطـور كانـت اللذيـن بقيـت فيهمـا المؤسسـة العسـكرية مركـز ْ السـابقي ْ ـا للانقلابـن ً لـه تبعاتـه، وخلاف النظ ـام الحاك ـم، ف ـإن السـلطة الحقيقي ـة ف ـي حال ـة انق ـ ب “الإنق ـاذ” كان ـت ف ـي ي ـد قيـادة التنظيـم الإسـ مي، قبـل أن تفقدهـا مـع التحـولات التـي شـهدتها الحركـة نفسـها ـا بتأثيـر تفاعـ ت الصراعـات الداخليـة للسـيطرة علـى النظـام. ً لاحق جـة الدولة َ ل ْ د َ أ- استراتيجة التمكين وأ ـت الحركـة الإسـ مية فـي أواخـر سـبعينات القـرن العشـرين “اسـتراتيجية التمكـن” َّ تبن للتوسـع وتعزي ـز قدراته ـا التنظيمي ـة والمالي ـة والعسـكرية به ـدف الوصـول إل ـى السـلطة ة الحيـاة العامة وإعـادة صياغـة الدولـة والمجتمع”، َ م َ ـل ْ س َ لتطبيـق برنامجهـا القاصـد إلـى “أ ، ب ـن نظ ـام نمي ـري والجبه ـة 1977 مس ـتفيدة م ـن أجـواء المصالحـة الوطني ـة، ف ـي ع ـام ـا لحليفيهم ـا ف ـي الجبه ـة، ً ا منه ـا، وق ـررت خلاف ً الوطني ـة المعارضـة الت ـي كان ـت جـزء وهمـا: حـزب الأمـة والحـزب الاتحـادي الديمقراطـي، الانخـراط فـي النظـام والاسـتفادة نهـا َّ ز نفوذهـا ومك َّ مـن الفرصـة التـي أتيحـت لهـا للتوسـع الرأسـي والأفقـي، وهـو مـا عـز بعـد عـام 1986 خـب عـام ُ مـن أن تصب ـح بالفعـل القـوة الثالث ـة فـي البرلمـان الـذي انت مـن سـقوط نظـام نميـري، حيـث قفـزت عضويتهـا مـن بضعـة نـواب فـي الفتـرة الحزبيـة

21 |

الانتفاضة السودانية فرص التحولات وتحديات البديل

ـا لـ”الجبهـة الإسـ مية القومي ـة”، ذراعهـا السياسـية ً نائب 51 الثاني ـة ف ـي السـتينات إل ـى فـي زعامـة المعارضـة قبـل أن تشـارك فـي الائتـ ف ً ا فعـا ً ). ولعبـت دور 26( الجديـدة ، حــن أفلحــت ضغــوط 1989 حتــى مــارس/آذار 1988 الحاكــم، منتصــف العــام ) لرئيـس الـوزراء، الصـادق المهـدي، حـول الأوضـاع 27( مذكـرة رفعتهـا قيـادة الجيـش السياسـية ف ـي الب ـ د وضغ ـوط الحـرب ف ـي الجن ـوب، ف ـي حـل الحكوم ـة، واعتب ـرت الجبهـة الإسـ مية أن الغـرض مـن المذكـرة إخراجهـا مـن الحكـم، ومضـت فـي اتجـاه .)28( كخطـة بديلـة ً تفعيـل خطتهـا للاسـتيلاء علـى السـلطة، التـي كانـت جاهـزة أصـ ـا محـل إجمـاع بعـد الاسـتقلال، ّ ً ا وطني ً علـى الرغـم مـن أن السـودان لـم يعـرف مشـروع وبقيـت بنيـة الدولـة هشـة بفعـل الصراعـات الحزبيـة وتدخـ ت الجيـش فـي السياسـة، وســط تلــف اقتصــادي وتنمــوي، إلا أن تجربــة “الإنقــاذ” فاقمــت مــن المشــكلات ، كمـا تسـببت فـي إضفـاء المزيـد مـن التعقيـدات علـى الأزمة السـودانية ً الموجـودة أصـ بفعـل حمولتهـا “الأيديولوجيـة”. فالحـرب الأهليـة فـي جنوب السـودان التـي كانت ذات كتهـا الفـوارق التنمويـة والتهميـش السياسـي والاقتصـادي، اتـذت َّ طابـع سياسـي وحر ـا علـى الهويـة بعـد إدخالهـا لمفهـوم “الجهـاد” فـي الحـرب ّ ً ـا وجودي ً ـا وصراع ّ ً ا ديني ً عـد ُ ب ضـد المتمردي ـن؛ مم ـا أدى إل ـى تدويله ـا وكان ـت النتيجـة اضط ـرار “الإنق ـاذ” للدخـول )، تحــت ضغــوط غربيــة كثيفــة أدت إلــى فقــدان 29(2005 فــي اتفاقيــة ســ م فــي ، ولــم 2011 الســودان لوحدتــه الترابيــة وتقســيم البــ د بانفصــال الجنــوب فــي العــام )، بـل أسـهمت فـي إعـادة 30( تـؤد هـذه التضحيـة بوحـدة البـ د إلـى تحقيـق السـ م إنت ـاج الح ـرب الأهلي ـة تح ـت الدواع ـي نفس ـها ف ـي جن ـوب الب ـ د الجدي ـد وش ـرقها، )، فيمـا اسـتعرت الصراعـات والنزاعـات 31( وزادت م ـن تأجي ـج الحـرب ف ـي دارف ـور ـا فـي ً القبليـة واسـتخدام الميليشـيات التـي قـادت تبعاتهـا لأن يصبـح رئيـس البـ د مطلوب

| 22

.)32( المحكمـة الجنائي ـة الدولي ـة بتهـم ارت ـكاب جرائ ـم حـرب ه اللذيــن حافظــا علــى ْ ــا لســابقي ً ومــن العواقــب الوخيمــة لانقــ ب “الإنقــاذ” -خلاف كيـان وهيـكل الدولـة السـودانية، حيـث اقتصـر التغييـر فيهمـا علـى هـرم السـلطة فيمـا بقيـت مؤسسـاتها الأخـرى محافظـة علـى طابعهـا “المهنـي الاحترافـي” المسـتقل تحكمهـا معاييـر الكفـاءة- لجـأت الحركـة الإسـ مية فـي إطـار اسـتراتيجيتها للتمكـن والمحافظـة عل ـى الس ـلطة، الت ـي راهن ـت عليه ـا كخي ـار صف ـري ربط ـت في ـه مصيره ـا ومس ـتقبلها ـن مـن مؤسسـات الدولـة وتفكيـك بنيتهـا وإعـادة ُّ باسـتمرار السـيطرة عليهـا، إلـى التمك هيكلتهـا وقامـت بعمليـة إحـ ل واسـعة النطـاق طالـت المؤسسـات النظاميـة والخدمـة ـا لمجـرد ً المدنيـة وحشـدتها بالموالـن، ولـم يكـن ذلـك فقـط لإبعـاد الخصـوم بـل أيض النظـر عـن تأهيلهـم. وقـد أدت عمليـة التطهيـر الواسـعة ِّ توفيـر وظائـف لمحسـوبيها بغـض ـرف بموج ـة “الإحال ـة للصـالح الع ـام” الت ـي ب ـدأت ُ ه ـذه إل ـى تش ـريد الآلاف فيم ـا ع مباشـرة بعـد تسـلم السـلطة وظلـت عمليـة الاحتـكار هـذه ممارسـة حتـى سـقوط النظام، وكانـت أحـد أسـباب عزلـة النظـام عـن المجتمـع. ول ـم تكـن السـيطرة الكامل ـة عل ـى مؤسسـات الدول ـة لصناعـة “دول ـة عميق ـة” كافي ـة وحدهـا لأغـراض “تأم ـن بق ـاء النظـام” فعم ـدت قي ـادة الحركـة إل ـى تأسـيس “دول ـة ـم ف ـي َّ موازي ـة” أو “دول ـة ظـل” كسـلطة بديل ـة خـارج الأطـر المتع ـارف عليه ـا، تتحك صناع ـة الق ـرار الفعل ـي ف ـي سياس ـات الدول ـة ف ـي المج ـالات كاف ـة، وتس ـتحوذ عل ـى مواردهــا وتتصــرف فيهــا دون أن تكــون خاضعــة للمحاســبة أو المســاءلة، مــع وجــود مؤسسـات رسميـة شـكلية بـ صلاحيـات حقيقيـة. فقـد صنعـت دبلوماسـية شـعبية فـي ا مقابـل جيـش رسمـي، وشـرطة شـعبية مقابـل ّ ً ـا شـعبي ً مقابـل دبلوماسـية رسميـة، ودفاع ـا تحـت لافتـة سياسـة ّ ً ا رسمي ً ا مقابـل أمـن رسمـي، واقتصـاد ّ ً ـا شـعبي ً شـرطة رسميـة، وأمن

23 |

الانتفاضة السودانية فرص التحولات وتحديات البديل

ـم فـي مفاصلـه، َّ “السـوق الحـر” بينمـا تسـيطر علـى الاقتصـاد شـركات “رماديـة” تتحك وهكـذا أنت ـج مشـروع “التمكـن” ال ـذي اسـتولى عل ـى جه ـاز الدول ـة “طبق ـة إنقاذي ـة ـا، وتسـتخدمها فـي المسـاومات السياسـية فـي ً حاكمـة” احتكـرت السـلطة والث ـروة مع عقـد صفقـات مـع بعـض القـوى المعارضـة المسـتعدة للانخـراط فـي تسـويات ثنائيـة مـع النظـام. وف ـي إط ـار تعزي ـز ه ـذا “التمك ـن”، ج ـرت عملي ـة مماثل ـة عل ـى الصعي ـد الاجتماع ـي بمشـروع “إع ـادة صياغ ـة الإنسـان السـوداني” تحول ـت إل ـى أداة سياسـية عمل ـت عل ـى إعـادة هيكلـة المجتمـع الأهلـي وخلخلـة بنيتـه وعلاقاتـه وتوازناتـه الداخليـة فـي محاولـة لرسـم خريطـة جديـدة وتجييرهـا لكسـب الـولاء السياسـي. فأعـادت إحيـاء الكيانـات القبليـة التقليديـة واسـتخدمتها فـي صناعـة قاعـدة مجتمعيـة للنظـام الحاكـم، وهـو مـا .)33(” اعتبـره أحـد المسـؤولي “ردة فـي تفكيـر قـادة الحركـة الإسـ مية ب- تجريف الحياة السياسية ومـن ضمـن سياسـات النظـام لبسـط سـيطرته عمـد من ـذ البداي ـة إل ـى تجري ـف الحي ـاة السياسـية بحرمـان القـوى الحزبيـة المعارضـة كافـة مـن ممارسـة أي نشـاط، مـع اعتقـالات واسـعة فـي صفوفهـا لـم تقتصـر علـى القيـادات مـع ارتـكاب انتهـاكاتلحقوق الإنسـان فــي المعتقــ ت علــى نحــو غيــر معهــود فــي صراعــات الســلطة فــي الســودان. وقــاد التضيي ـق عل ـى المعارضـة للجـوء إل ـى الخـارج، خاصـة مصـر وإريتري ـا الت ـي احتضن ـت معظـم القـوى المعارضـة فـي شـمال َّ تحالـف “التجمـع الوطنـي الديمقراطـي” الـذي ضـم وجن ـوب الس ـودان للم ـرة الأول ـى بانضم ـام الحركة/الجي ـش الش ـعبي لتحري ـر الس ـودان بزعامـة جـون قرنـق، وانخرطـت فـي نشـاط مسـلح بهـدف إسـقاط النظـام.

| 24

ج- من إقصاء الآخر إلى انقسام الذات حتـى أدت تفاعـ ت الصـراع علـى السـلطة داخـل النظـام إلـى 1999 لـم يـأت العـام فقدانــه لتماســكه الداخلــي نتيجــة الخلافــات بــن جناحــن فــي الحركــة الإســ مية الحاكمــة قــادت إلــى انشــقاق زعيمهــا التاريخــي، حســن الترابــي، وتأسيســه لحــزب معـارض إثـر خلافـات مـع جن ـاح بقي ـادة البشـير انحـاز إلي ـه أغلـب مسـاعدي الترابـي ا أن المشـروع ً مـن قـادة الحركـة الممسـكي بمفاصـل السـلطة، وكان الترابـي أدرك متأخـر ـل الشـعارات التـي كان ينـادي بهـا ُّ الإسـ مي فقـد رصيـده الأخلاقـي وعجـز عـن تمث ك تأسـيس سـلطة شـمولية قاهـرة انتهكـت كل المنظومـة القيميـة َ ـر َ بعـد وقوعـه فـي ش .)34( الت ـي كان ـت تدعـو لهـا، وذهب ـت بمصداقيت ـه الفكري ـة أدى هـذا الانشـقاق إلـى تليـص النظـام مـن بعـض الحمولـة الأيديولوجيـة التـي أكسـبته ـا مـن دول كانـت منزعجـة مـن توجهاتـه، وأسـهمت فـي تفيـف ّ ً ـا وخارجي ّ ً ا داخلي ً تأييـد عزلتـه الخارجيـة، وعلـى الرغـم مـن بقـاء مجموعـة كبيـرة مـن الإسـ ميي فـي السـلطة ـا بالمصـالح والامتيـازات. ً ا مرتبط ً إلا أنـه أصبـح وجـود دخـل النظـام الألفيـة فـي ظـل أوضـاع سياسـية واقتصاديـة أفضـل بكثيـر مـن عشـريته )، مم ـا أس ـهم ف ـي 35( ري النف ـط ِّ الأول ـى، كان ـت أه ـم ملامحه ـا دخول ـه ن ـادي مصـد حــدوث اســتقرار فــي مؤشــرات الاقتصــاد الكلــي، وانتعــاش للحركــة الاقتصاديــة زلـة النظـام الخارجيـة بعـد خـروج تيـار الترابـي، ُ ـت ع َّ وتفيـف الضائقـة المعيشـية. وخف وتحسـن العلاقـات مـع دول الجـوار، والدخـول فـي تعـاون اسـتخباري وثيق مـع الولايات .)36( المتحـدة فـي الحـرب الأميركي ـة علـى الإرهـاب هـا ْ ت َ قاد ٌ وعل ـى صعي ـد معالجـة الحـرب الأهلي ـة ف ـي جن ـوب السـودان، أفلحـت جهـود واشـنطن التـي اعتمـدت “سياسـة لإنهـاء الحـرب الأهليـة فـي جنـوب السـودان”، فـي

25 |

الانتفاضة السودانية فرص التحولات وتحديات البديل

)، فـي تحـرك كان دافعـه الخشـية مـن اختـ ل التـوازن العسـكري لصالح 37(2001 العـام الحكومـة نتيجـة توافـر مـوارد ماليـة مـن تصديـر النفـط، قـاد إلـى توقيـع اتفاقيـة السـ م ، وإقـرار تقريـر مصيـر جنـوب السـودان. 2005 الشـامل، فـي ، أنتـج دولتـن فاشـلتي بامتيـاز فـي 2011 يوليو/تمـوز 9 غيـر أن تقسـيم السـودان، فـي ـا، فبعـد أقـل مـن عامـن دخلـت دولـة جنـوب السـودان الوليـدة ً الشـمال والجنـوب مع فــي حــرب أهليــة لا تــزال مســتمرة بســبب الصــراع علــى الســلطة. أمــا فــي شــمال السـودان، فلـم تتحسـب السـلطات لتبعـات انفصـال الجنـوب السياسـية والاقتصاديـة، فقـد كانـت تعتبـر أن الانفصـال سـيخفف عنهـا عـبء الجنوب، لكنهـا اكتشـفت متأخرة أن التبعـات الاقتصاديـة لذلـك أبعـد ممـا كانـت تتوقعهـا، فقـد ظلـت تتراكـم فـي غيـاب أيـة آفـاق للخـروج مـن المـأزق، وتلاعـب السـلطة بمحاربـة الفسـاد المنتشـر بكثافـة فـي أوسـاط الطبقـة الحاكمـة المسـيطرة علـى مـوارد البـ د، وإهـدار المـال العـام فـي الإنفـاق علـى الصـرف الأمنـي وشـراء الـولاء السياسـي. لـذا، مـا لبـث الاحتقـان الاجتماعـي أن ـا إلـى احتجاجـات سياسـية وتصعيـد فـي مواجهـة النظـام. ّ ً بـدأ يتحـول تدريجي ـا ً لـم تكـن الأزمـات الاقتصاديـة المتلاحقـة التـي خرجت عن سـيطرة السـلطة إلا انعكاس ـس ف ـي َّ ـا تتصـل بطيع ـة النظ ـام نفس ـه ال ـذي تكل ً لأزم ـة سياسـية مس ـتدامة أكث ـر عمق ا فـي قابليتـه للتطـور وإحـداث تغييـر دسـتوري ً سـدة السـلطة لثلاثـة عقـود وأثبـت عجـز ـب البـ د مشـقة مسـار التغييـر ِّ ل تدريجـي يجن ُّ وسياسـي يمكـن أن يسـهم فـي تحقيـق تحـو الثـوري الحتمـي بـكل تعقيداتـه. كانـت اتفاقيـة السـ م الشـامل بـن حـزب المؤتمـر الوطنـي الحاكـم بقيـادة عمـر البشـير، ل ديمقراطـي ُّ والحرك ـة الشـعبية بقي ـادة جـون قرن ـق، أكب ـر فرصـت لاحـت لتحقي ـق تحـو دسـتوري؛ ذل ـك أن ـه عل ـى الرغ ـم م ـن انتق ـاد الطبيع ـة الثنائي ـة للاتف ـاق، إلا أن دسـتور

| 26

، والـذي بنـي علـى أساسـها، حظـي بإجمـاع كامـل مـن 2005 السـودان الانتقالـي لعـام ل ديمقراطـي كرافعـة ُّ القـوى السياسـية المختلفـة. ففـي إطـار التـزام الاتفاقيـة بإحـداث تحـو ) كفلـت الحريـات العامـة على نسـق 38( للوحـدة والسـ م، تضمـن الدسـتور وثيقـة حقـوق غي ـر مسـبوق وتبن ـي كل الالتزام ـات الدولي ـة لحق ـوق الإنسـان، وق ـد شـهدت السـنوات ا، غيـر أنـه تعـرض لنكسـات عديـدة. ً ا كبيـر ّ ً ـا سياسـي ً السـت للفتـرة الانتقاليـة انفتاح د- فرص الإصلاح الضائعة ، جـرت محـاولات فـي المؤتمـر الوطنـي الحاكـم للقيـام بإصلاحـات فـي 2013 فـي العـام الحـزب والدولـة والحيـاة السياسـية، إثـر مراجعـات داخليـة علـى خلفيـة تـردي الأوضـاع فـي البـ د وبـروز مجموعـات تنـادي بالتغييـر خاصـة وسـط الشـباب داخلـه بتأثيـر مـد ثـورات الربيـع العربـي، وجـرت نهايـة هـذا العـام أكبـر عمليـة تغييـر فـي الطاقـم الحاكـم ، حي ـث أط ـاح البش ـير ب ـكل رم ـوز الحـرس الق ـديم، وتم الإع ـ ن 1999 من ـذ انش ـقاق عنهــا فــي إطــار مشــروع إصلاحــي كبيــر لإفســاح المجــال أمــام الشــباب، وأن بقــاء ـب الأوضـاع لمـن يخلفـه. ِّ ـا ريثمـا يرت ً البشـير سـيكون مؤقت ، مبـادرة للحـوار الوطنـي دعـا لهـا كل القـوى السياسـية 2014 أطلـق البشـير، فـي مطلـع ـة في السـ م، َّ وحـركات المعارضـة المسـلحة، بأمـل أن تاطـب كل قضايـا السـودان الملح والهويـة، والحريـات، والاقتصـاد والعلاقـات الخارجيـة. واسـتجاب لدعوتـه قـادة تحالف المعارضــة فــي قــوى الإجمــاع الوطنــي، والمؤتمــر الشــعبي بزعامــة حســن الترابــي، والصــادق المهــدي زعيــم حــزب الأمــة، بينمــا اشــترطت القــوى المعارضــة الأخــرى والحـركات المسـلحة تحقيـق جملـة مطالـب لتهيئـة المنـاخ قبـل الدخـول فـي أي حـوار مـع السـلطة وسـط تشـكيك فـي جديتهـا. كانـت مبـادرة “الحـوار الوطنـي” آخـر فرصـة ممكنـة لنظـام “الإنقـاذ” لتحقيـق إصـ ح

27 |

الانتفاضة السودانية فرص التحولات وتحديات البديل

ـع عليـه، لكـن سـرعان َ ل ديمقراطـي عبـر مسـار دسـتوري متواض ُّ سياسـي شـامل وتحـو ـت النظـام وعـدم اسـتعداده للاسـتجابة لمطالـب المعارضـة المشـروعة لتهيئـة ُّ تعن َّ مـا تبـن ا أن البشـير ً نـة فـي الدسـتور، وبـدا واضح َّ المنـاخ وتفعيـل وثيقـة الحقـوق والحريـات المضم )، بعـدم خوضـه للانتخابـات الرئاسـية فـي 39(2013 الـذي سـبق لـه التعهـد فـي العـام ا لذلـك أطـاح بمنافسـيه ً ا، وتمهيـد ً ، تراجـع عـن موقفـه وعـزم علـى الترشـح مجـدد 2015 المحتملــن مــن الحــرس القــديم، واســتخدم “مبــادرة الحــوار الوطنــي” لشــغل الســاحة السياسـية، واسـتفاد بالفعـل مـن هـذه المنـاورات فـي كسـب دورة رئاسـية جديـدة بنسـبة مشـاركة ضعيفـة للغايـة فـي انتخابـات مشـكوك فـي نزاهتهـا. ظـل البشـير ينـاور بقضيـة “الحـوار الوطنـي” الـذي شـاركت فيـه قـوى سياسـية صغيـرة مح ـدودة التأثي ـر باس ـتثناء ح ـزب المؤتم ـر الش ـعبي المع ـارض بزعام ـة التراب ـي، وبع ـض ،)40( الفصائـل المنشـقة عـن الحـركات المسـلحة، وخلـص المؤتمـر إلـى جملـة توصيـات انتقــى البشــير منهــا مــا يناســب اســتمرار ســيطرته علــى الســلطة رغــم كل الدعايــة السياسـية الت ـي حـاول بهـا النظـام إظهـار الحـوار الوطن ـي كأفضـل إنجـاز ل ـه. بيـد أن التحـدي الأبـرز لسـلطة البشـير فـي السـنوات الأخيـرة لحكمـه جـاء مـن داخـل حزبـه الحاكـم، فقـد تنامـت معارضـة واضحـة منذ أن أظهـر نيته فـي الترشـح للانتخابات ، فـي مخالفـة للدسـتور الـذي يقصـر انتخـاب الرئي ـس 2020 الرئاسـية المقـررة فـي العـام لدورتـن اسـتوفاهما البشـير، وخـاض سلسـلة مـن المواجهـات مـع معارضـي ترشـحه فـي ـا رئاسـة قيادتهـا ً الأجهـزة القياديـة للمؤتمـر الوطنـي والحركـة الإسـ مية، التـي يتولـى أيض العليــا. وفــي ظــل اتســاع المعارضــة داخــل قاعدتــه الحزبيــة، ســارع البشــير فــي مطلــع للطاحـة برم ـوز هـذا التي ـار وتمكـن مؤي ـدي ترشـيحه ممـا أسـفر عـن تمري ـر 2018 الع ـام ـف إصـرار البشـير علـى الترشـح َّ قـرار باعتمـاد ترشـيحه، والدعـوة لتعديـل الدسـتور. خل

| 28

ا وسـط القاعـدة السياسـية الصلبـة للنظـام مـن “الإسـ ميي” ّ ً ا حـاد ً أزمـة عميقـة وانقسـام اء تزايـد مظاهـر فشـل مشـروع الحركـة الإسـ مية فـي َّ الذيـن باتـوا تحـتضغـوط كثيفـة جـر تأسـيس مشـروع وطنـي بديـل ودولـة ناجحـة، ووصـول النظـام الـذي أسسـوه إلـى طريـق مسـدود، مـع العجـز عـن تحقيـق أي قـدر مـن الإصلاحـات لاسـيما بعـد فشـل آخـر محاولة لـون عليهـا فـي “مبـادرة الحـوار الوطنـي”، وعكسـت الحـوارات الداخليـة لمؤيـدي ِّ كان يعو النظـام تنامـي معارضـة واسـعة لسياسـات البشـير دون أن يترت ـب عليه ـا فع ـل يتداركه ـا، الأمـر الـذي أظهـر مـدى تفـكك تماسـكه الداخلـي، وفقـدان الدافعيـة الذاتيـة للتفاعـل مـع المخاطـر والتحديـات المتزايـدة التـي باتـت تحيـط بالسـلطة وتهـدد وجودهـا. . الحراك الثوري الثالث: تعقيدات وتحديات 3 الاحتجاجـات الشـعبية الواسـعة التـي اندلعـت فـي عـدة مـدن، أواخـر ُ فاجـأت موجـة السياســية برمتهــا، فقــد كانــت الحكومــة مــع إقرارهــا بتــردي َ ، الطبقــة 2018 العــام ـة إل ـى عج ـز خصومه ـا ع ـن تحري ـك الش ـارع عل ـى نح ـو َّ ن ِ ئ َ م ْ ط ُ الأوضـاع الاقتصادي ـة م ــا وثقتهــا فــي قــدرة أجهزتهــا ً د ســلطتها مــن واقــع خبرتهــا خــ ل ثلاثــن عام ِّ يهــد الأمنيـة علـى إجهـاض أيـة تحـركات مماثلـة، بينمـا كانـت المعارضـة علـى الجانـب الآخـر تتسـاءل: لمـاذا يطـول صمـت الشـارع؟ ولمـاذا لا ينتفـض فـي وجـه النظـام مـع توافـر كل المعطي ـات المحف ـزة لذل ـك؟ ــا للانتفاضتــن الســابقتي، اللتــن بــادرت بالدعــوة لهمــا وقيادتهمــا مــن قبــل ً وخلاف الطـ ب والنقابـات المهنيـة، ولحقـت بهـا النخبـة السياسـية، ُ المجتمـع المدنـي، اتحـادات ـا نتيجـة تراكـم الاحتقـان الاجتماعـي عل ـى ّ ً فـإن الحـراك الشـعبي هـذه المـرة ب ـدأ عفوي خلفيـة تطـاول أمـد الأزمـة الاقتصاديـة فـي ظـل عجـز حكومـي تـام عـن معالجتهـا؛ إذ لـم تتـم الدعـوة للثـورة مـن قبـل نخبـة سياسـية أو اجتماعيـة أو مشـروع معـن يحـدد أطرهـا

29 |

الانتفاضة السودانية فرص التحولات وتحديات البديل

، فق ـد فوجئ ـت بالأح ـداث وس ـارعت للح ـاق بالموج ـة والدف ـع ً ـا وقي ـادة ً وآفاقه ـا تنظيم باتجـاه توظيفهـا لتحقي ـق الشـعار الـذي الت ـف حولـه المحتجـون “تسـقط بـس”. “العزلـة” بـن الشـارع والطبقـة السياسـية َ الحـراك الثـوري للجميـع حالـة ُ وعكسـت مباغتـة فـي جانبـي الحكـم والمعارضـة؛ ذلـك أنـه على الرغـم مما شـهدته سـنوات الإنقـاذ الثلاثي فـي السـلطة مـن حـدة خصومـة بـن الطرفـن إلا أنـه كانـت هنـاك علاقـة ملتبسـة بينهمـا تجعلهم ـا يب ـدوان كوجه ـي عمل ـة واح ـدة، م ـن خ ـ ل التعاي ـش والاعتم ـاد المتب ـادل تم التعبيـر عنهـا مـن خـ ل اتفاقيـات سياسـية ثنائيـة بـن السـلطة وبعـض أطـراف المعارضـة، كانـت أقـرب لصفقـات اقتسـام السـلطة والثـروة بـن النخـب السياسـية. الأدوار هـذا حـول لعبـة السـلطة وسـط النخبـة السياسـية، بالطبـع مـع بعض ُ ـق تبـادل َّ عم بـأن تطلعـات الشـعب معزولـة عـن انشـغالات محترفـي َ الاسـتثناءات المحـدودة، الوعـي ل وطنــي ُّ السياســة، وأن الصــراع بينهــم فــي جوهــره ليــس حــول رؤى ومشــروع تحــو نحـو تأسـيس نظـام ديمقراطـي وفـق الشـعارات المرفوعـة والاسـتعداد لدفـع اسـتحقاقات ذل ـك كامل ـة، ب ـل تن ـازع ب ـن الطبق ـة السياس ـية الت ـي لا ت ـزال تعم ـل بذهني ـة النظ ـام ا ً السياسـي القـديم، علـى اختـ ف أطيافـه، حـول امتيـازات السـلطة والتـي كانـت سـبب ـا وعجزهـا عـن تحقي ـق مشـروع وطن ـي جامـع يثب ـت ّ ً ف ـي انقسـاماتها المسـتدامة تاريخي جـدوى الدولـة المسـتقلة. قــت حالــة العزلــة هــذه أكثــر بـ”الفجــوة الجيليــة” الكبيــرة بــن غالــب ســكان َّ وتعم الس ـودان الي ـوم وب ـن ق ـادة الطبق ـة السياس ـية، ذل ـك أن ـه ف ـي الوق ـت ال ـذي لا ت ـزال د المشـهد السياسـي فـي البـ د قيـادات فـي الأحـزاب الرئيسـية بـرزت مـع “ثـورة” َّ تتسـو ، فقـد كان عمـاد 1985 ” ، وتنافسـها إلـى حـد مـا قيـادات بـرزت مـع “انتفاضـة 1964 “الحـراك الثـوري” مـن الجيـل الجديـد الـذي تغلـب عليـه الاسـتقلالية مـن غيـر المنتمـن

| 30

لقــوى سياســية منظمــة، وإن تحققــت لــه قاعــدة واســعة داعمــة مــن خــ ل تفاعــل مجتمع ـي عري ـض م ـن الفئ ـات المختلف ـة. أ- الجيل الجديد وإعادة تعريف السياسة كان العامـل الأهـم فـي الحـراك هـو حـدوث عمليـة تراكـم وعـي نتـاج حـراك شـبابي منتظ ـم ف ـي العق ـد الأخي ـر؛ فق ـد شـهد الس ـودان خلال ـه تحـولات مهم ـة ف ـي تفاع ـل الجيــل الجديــد مــع الشــأن العــام عبــر انخراطــه فــي العديــد مــن المبــادرات الهادفــة لخدمـة المجتمـع، وكذلـك فـي رفـع الوعـي السياسـي وفـق مفاهيـم جديـدة عبـر دخـول مجموع ـات عدي ـدة ف ـي نقاشـات حـول قضاي ـا الب ـ د العام ـة شـارك فيه ـا منتم ـون لتيــارات سياســية مختلفــة. ويــرى الباحــث أن ذلــك الحــراك الشــبابي “دلالــة وعــي شــبابي يتجــاوز التنظيمــات السياســية والأيديولوجيــة باتجــاه إعــادة تعريــف السياســة ). وذهـب عطـا البطحان ـي لتأكي ـد مـا ذهـب إلي ـه 41( فـي الواقـع السـوداني المعطـوب ـا معهـا ضـرورة الانتق ـال مـن فضـاء ً ا أن “إعـادة التعري ـف تحمـل دائم ً الباحـث معتب ـر معرفـي (بـارادايم) إلـى فضـاء معرفـي آخـر، فمضمـون إعـادة تعريـف السياسـة لابـد أن يحررهـا مـن الفهـم الاسـتغلالي والتسـلطي القائـم علـى فهـم مقاييـس القـوة كمعـادل ـا ً عام ً للقـوة العسـكرية والنزعـة الحربيـة والعنـف والإبـادة لمفهـوم يـرى السياسـة مجـا .)42(” ـا للمشـاركة والتضام ـن والإيث ـار وتق ـديم النم ـوذج الأخلاق ـي ً رحب أسـهمت هـذه المب ـادرات الاجتماعي ـة، والحـوارات الشـبابية العاب ـرة للأجن ـدة الحزبي ـة والأيديولوجي ـة ف ـي تش ـكيل ش ـبكة علاق ـات متضامن ـة واس ـعة ترف ـع مطل ـب التغيي ـر، وبـدأت تنشـط فـي فضـاء خـارج الأطـر التقليديـة للنظـام السياسـي السـوداني القـديم، ولا غـرو أن هـذه المجموعـات التـي تميـزت بقـدرات تنظيميـة عاليـة سـارعت لالتقـاط إشـارة الحـراك الشـعبي، وأسـهمت فـي تنظيمـه وقيادتـه لاسـيما إبـان فتـرة الاعتصـام

31 |

الانتفاضة السودانية فرص التحولات وتحديات البديل

فـي محيـط القيـادة العامـة للجيـش. كان لهـذه التطـورات المهمـة انعكاسـات مؤثـرة داخـل النظـام الـذي ركـن إلـى خبرتـه دت قبضتـه علـى السـلطة، ولكنـه لـم يحسـن َّ المتراكمـة فـي تطـي تحديـات مماثلـة هـد ه ـذه الم ـرة تقدي ـر الخط ـر الجـدي عل ـى س ـلطته، لي ـس بس ـبب تنام ـي الزخ ـم الث ـوري فحس ـب، ب ـل كذل ـك لغفلت ـه ع ـن الضع ـف ال ـذي أصـاب قاع ـدة النظ ـام السياس ـية ــا، وفــي ظــل عجــز مؤسســات النظــام ً والأمنيــة. فقــد بقــي الحــزب الحاكــم متفرج السياسـية وصراعـات أجنحتـه، أصبـح جهـاز الأمـن يـؤدي مهمتـن متناقضتـن، فمـن جه ـة يق ـوم بالتصـدي الأمن ـي للاحتجاج ـات بحك ـم وظيفت ـه، وم ـن الجه ـة الأخ ـرى م مدي ـره، صـ ح ق ـوش، لم ـلء الف ـراغ السياسـي. َّ ـد َ ق َ ت ) فـي حـوارات سـرية مـع قـادة قـوى المعارضـة، وسـعى لإقنـاع 43( فقـد انخـرط قـوش المعارضـة بسـيناريو تسـوية يقـوم علـى إكمـال البشـير لدورتـه الرئاسـية مـع التزامـه بعـدم ، والتخلـي عـن قيـادة الحـزب الحاكـم، ونقـل صلاحياتـه 2020 الترشـح فـي انتخابـات ل حكومـة كفـاءات تديـر البـ د ِّ لرئيـس وزراء يتـم الاتفـاق عليـه مـع المعارضـة ليشـك ا فـي إمكانيـة تحققـه. ً ا وشـكوك ً ـا حـذر ً لحـن إجـراء الانتخابـات، ووجـد عرضـه تجاوب وفـي الإطـار نفسـه، نجـح فـي إقنـاع اللجنـة الأمنيـة العليـا، التـي تضـم قـادة الأجهـزة النظاميـة بقيـادة نائـب الرئيـس، عـوض بـن عـوف، التـي أوكل إليهـا البشـير التصـدي للحـراك الشـعبي، بجـدوى سـيناريو “الهب ـوط الناعـم” بحكـم اطلاعهـا علـى حقائـق ـرة بهـذا الخصـوص، وكان ِّ الموقـف، وإدراكهـا لهشاشـة النظـام، ورفعـت للبشـير مذك فبرايـر/ 22 مـن المفتـرض أن يعلـن البشـير قبولـه هـذه المبـادرة فـي آخـر خطـاب لـه فـي د فــي قيــادة الحــزب الحاكــم لهــذا ِّ ا لمقاومــة تيــار متشــد ً ). واســتباق 44(2019 شــباط السـيناريو سـارع قـوش إل ـى إب ـ غ الصحافي ـن بتفاصيلهـا، إلا أن الخطـاب جـاء أقـل

| 32

بكثي ـر م ـن هـذه الخطـوات حي ـث اكتف ـى بدعـوة البرلم ـان لتأجي ـل مشـروع تعدي ـ ت ل حكومـة جديـدة برئاسـة أحـد َّ دسـتورية كانـت تهـدف لتمكينـه مـن الترشـح، وشـك نتـه مـن تعيـن حـكام َّ المقربـن لـه مـن قـادة الحـزب الحاكـم، وأعلـن حالـة طـوارئ مك عسـكريي للولاي ـات. ـا برئاسـته قبيـل خطابـه وتدخلـت لقطع ً اتضـح أن قيـادة الحـزب الحاكـم عقـدت اجتماع الطريـق علـى هـذا السـيناريو، وهـو مـا أثـار حفيظـة القـادة العسـكريي للنظـام الذيـن انتظـروا وفـاء البشـير بوعـده لهـم بقبـول مذكرتهـم، فقـرروا الانتقـال إلـى الخطـة (ب)، وإطاحتـه والتمهيـد لذلـك بتسـهيل وصـول الاحتجاجـات إلـى محيـط القيـادة العامـة أبريل/نيسـان، لتوفيـر غطـاء لتنفيـذ مخططهـم. 6 للجيـش التـي أعلـن الثـوار عنهـا فـي ب- احتدام الصراع المدني/العسكري لــم تســر الأمــور كمــا توقعــت تقديــرات القــادة العســكريي بعــد إعلانهــم الانحيــاز ـا لتحقيـق مطالـب الثـوار، فقـد زادت وتيـرة ً للحـراك، بـأن إسـقاط البشـير سـيكون كافي الاحتجاجـات بعدمـا اعتبـرت أن ذلـك اسـتمرار للنظـام، وقـادت ضغـوط الشـارع إلـى إرغـام رئي ـس المجل ـس العسـكري الجدي ـد، اب ـن عـوف، ونائب ـه رئي ـس الأركان، عب ـد المعـروف، ومهنـدس التحـرك، صـ ح قـوش، علـى الاسـتقالة ليصعـد إلـى الواجهـة الرجـل الثالـث فـي قيـادة الجيـش، عبـد الفتـاح البرهـان، وقائـد قـوات الدعـم السـريع، محمـد حمـدان حميدتـي. وعلــى الرغــم مــن تأكيــد المجلــس العســكري علــى أنــه لا يحمــل أي برنامــج لحــل لها قـادة الحـراك ِّ مشـكلات البـ د، واسـتعداده لتسـليم السـلطة التنفيذيـة لحكومـة يشـك خـ ل أسـبوع واحـد، مـع بقـاء المجلـس ليقـوم بالمهـام المتعلقـة بحفـظ الأمـن وتحقيـق الســ م خــ ل فتــرة انتقاليــة لعامــن، إلا أنــه ســرعان مــا بــرز صــراع إرادات بــن

33 |

الانتفاضة السودانية فرص التحولات وتحديات البديل

المجل ـس العسـكري وق ـوى الحري ـة والتغيي ـر حـول تشـكيل وترتيب ـات الفت ـرة الانتقالي ـة ن مـن تحالفـات َّ ومهامهـا، وأسـهم فـي ذلـك أن قـوى الحريـة والتغييـر، الائتـ ف المكـو ضـه الثـوار كقيـادة سياسـية للحـراك، لـم يتحركـوا َّ أحـزاب المعارضـة الرئيسـية الـذي فو بالس ـرعة اللازم ـة لتش ـكيل الحكوم ـة وم ـلء الف ـراغ، ويع ـود ذل ـك لس ـببي، أولهم ـا: أن الإطاحـة بالبشـير جـاءت علـى نحـو مباغـت وسـريع لـم يتحسـبوا لـه، ولـم يكونـوا جاهزي ـن للتعام ـل م ـع تبعاته ـا، حس ـب إف ـادة الصـادق المه ـدي رئي ـس حـزب الأم ـة ). والســبب الآخــر يعــود إلــى طبيعــة تكويــن هــذا الائتــ ف العريــض 45( المعــارض المعق ـدة ال ـذي يضـم تحالف ـات ب ـن ق ـوى سياسـية متباين ـة ف ـي اتجاهاته ـا م ـن أقصـى اليمـن إلـى أقصـى اليسـار، جمعهـا حل ـف مرحل ـي هـدف لإسـقاط النظـام، دون أن يكـون هن ـاك اتف ـاق بينه ـا حـول البرنام ـج التفصيل ـي بشـأن مرحل ـة م ـا بع ـد البشـير، وبالتالـي لـم تكـن هنـاك ترتيبـات عمليـة مثـل تشـكيل حكومـي جاهـز لتولي المسـؤولية د فيـه المجلـس العسـكري بحكـم سـلطة َّ ا تمـد ّ ً ـا سـلطوي ً مباشـرة؛ وهـو مـا أحـدث فراغ ـا مـن مجـرد ضامـن ووسـيط عابـر ّ ً الأمـر الواقـع حيـث بـدأت أجندتـه تتحـول تدريجي تقتصـر مهمتـه علـى تأمـن انتقـال السـلطة مـن نظـام منهـار لنظـام انتقالـي جديـد، إلـى انتـداب نفسـه للعـب دور الشـريك فـي تشـكيل وإدارة المرحلـة الانتقاليـة، ورافـق ذلـك انتقالـه فـي سـبيل تعزيـز هـذا التوجـه مـن الاكتفـاء بممارسـة دور الحكـم بـن أطـراف السـاحة السياسـية إلـى دخـول الملعـب السياسـي كلاعـب. وفـي خطـوة لانتـزاع صفـة الممثـل الوحيـد للحـراك الثـوري مـن قـوى الحريـة والتغييـر، اسـتغل بـروز أصـوات مـن ا مـن النظـام حتـى ً داخلـه تنـادي بإقصـاء القـوى السياسـية الأخـرى، التـي كانـت جـزء سـقوطه، م ـن المشـاركة ف ـي المرحل ـة الانتقالي ـة، ليجع ـل منه ـا قاعـدة سياسـية مؤي ـدة لضمـان اسـتمرار دوره.

Page 1 Page 2 Page 3 Page 4 Page 5 Page 6 Page 7 Page 8 Page 9 Page 10 Page 11 Page 12 Page 13 Page 14 Page 15 Page 16 Page 17 Page 18 Page 19 Page 20 Page 21 Page 22 Page 23 Page 24 Page 25 Page 26 Page 27 Page 28 Page 29 Page 30 Page 31 Page 32 Page 33 Page 34 Page 35 Page 36 Page 37 Page 38 Page 39 Page 40 Page 41 Page 42 Page 43 Page 44 Page 45 Page 46 Page 47 Page 48 Page 49 Page 50 Page 51 Page 52 Page 53 Page 54 Page 55 Page 56 Page 57 Page 58 Page 59 Page 60 Page 61 Page 62 Page 63 Page 64 Page 65 Page 66 Page 67 Page 68 Page 69 Page 70 Page 71 Page 72 Page 73 Page 74 Page 75 Page 76 Page 77 Page 78 Page 79 Page 80 Page 81 Page 82 Page 83 Page 84 Page 85 Page 86 Page 87 Page 88 Page 89 Page 90 Page 91 Page 92 Page 93 Page 94 Page 95 Page 96 Page 97 Page 98 Page 99 Page 100 Page 101 Page 102 Page 103 Page 104 Page 105 Page 106 Page 107 Page 108 Page 109 Page 110 Page 111 Page 112 Page 113 Page 114 Page 115 Page 116 Page 117 Page 118 Page 119 Page 120 Page 121 Page 122 Page 123 Page 124 Page 125 Page 126 Page 127 Page 128 Page 129 Page 130 Page 131 Page 132 Page 133 Page 134 Page 135 Page 136 Page 137 Page 138 Page 139 Page 140 Page 141 Page 142 Page 143 Page 144 Page 145 Page 146 Page 147 Page 148 Page 149 Page 150 Page 151 Page 152 Page 153 Page 154 Page 155 Page 156 Page 157 Page 158 Page 159 Page 160 Page 161 Page 162 Page 163 Page 164 Page 165 Page 166 Page 167 Page 168 Page 169 Page 170 Page 171 Page 172 Page 173 Page 174 Page 175 Page 176 Page 177 Page 178 Page 179 Page 180 Page 181 Page 182 Page 183 Page 184 Page 185 Page 186 Page 187 Page 188 Page 189 Page 190 Page 191 Page 192 Page 193 Page 194 Page 195 Page 196 Page 197 Page 198 Page 199 Page 200

Made with FlippingBook Online newsletter