يبحث الكتاب معضلة الفراغ الاستراتيجي والتجزئة (1971- 2018)) فيما يقوم بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من علاقات قبل إنشاء المجلس وبعد تأسيسه. كما يتناول مسارات التعاون والصراع في تلك العلاقات، وتطورها خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، ومطلع الألفية الثالثة، وكذلك العوامل المحلية والإقليمية والدولية التي أثَّرت وتؤثر فيها سلبيًّا أو إيجابيًّا. ويسعى الكتاب لمؤلفه، الدكتور محمد صالح المسفر، بصفة عامة إلى محاولة فهم العلاقات الخليجية-الخليجية وتقييمها في إطار التداخل بينها وبين السياسات الإقليمية والدولية ودراسة اتجاهاتها والبحث في مصير الدول الخليجية.
L U B A B 2026 / - 30 -
. . . . . . . . . ..
دراسات وأبحاث
Studies and Research
باسل رجوب ما بعد الإنسانية وحروب الجيل الخامس: إعادة تشكيل الصراع في عصر الفاعلية الخوارزمية
Basel Alrjoub Posthumanism and Fifth-Generation Warfare: Reshaping Conflict in the Age of Algorithmic Agency
11
Mohammad Abbas-Rana Sabah Artificial Intelligence and the Transformation of Contemporary Warfare: The Case of Gaza
محمد عباس-رنا صباح الذكاء الاصطناعي وتحولات الحرب المعاصرة.. غزة نموذج ًًا
41
علي باكير الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.. سياق التصعيد ومسارات الحرب
Ali Bakir The US-Israeli War on Iran: Context of Escalation and Trajectories of the Conflict
73
Yousif Antar-Zakariae Haloui Early Signs of the Decline of Western Hegemony and the Reshaping of the International System
يوسف عنتار- زكرياء حلوي إرهاصات أفول الهيمنة الغربية وإعادة تشكيل النظام الدولي
99
Wael Shadid Strategic Patience: A Conceptual Framework and Approach to International Conflicts
وائل شديد الصبر الإستراتيجي: إطار مفاهيمي ومقاربة في الصراعات الدولية
143
العنود أحمد آل ثاني الدور التنموي للمرأة القطرية: المشاريع الصغيرة والمتوسطة نموذج ًًا حسناء بيشرادن التدبير الناعم للحركات الاحتجاجية في المغرب: نحو مقاربات بديلة للمقاربة الأمنية
Al-Anoud Ahmed Al-Thani The Developmental Role of Qatari Women: Small and Medium Enterprises as a Model
183
Hasna Bichraden Soft Governance of Protest Movements in Morocco: Towards Alternative Approaches to the Security Paradigm
207
متابعات
Follow-ups
Chafic Choucair Lebanon Between Hezbollah and the State in the Context of the War on Iran
شفيق شقير في سياق الحرب على إيران: لبنان بين الحزب والدولة
245
Karim Mejri China: The Revenge of Empire.. Is the West Nearing Its End? by Alain Bauer
كريم الماجري الصين: انتقام الإمبراطورية.. هل دنت نهاية الغرب؟
265
5 |
افتتاحية العدد
الحرب على إيران والتحولات العنيفة في عالم متغير يصــدر العــدد الثلاثون من (لباب) وســط احتدام الحرب بيــن الولايات المتحدة وإســرائيل من جانب وإيران من جانب آخر. بدأت الحرب، في الثامن والعشــرين ، بهجمات على إيران شــملت قصف اجتماع كان يحضره 2026 من فبراير/شــباط المرشــد الأعلى، آية الله علي خامنئي، والعشــرات من قيــادات الحرس والجيش ومسؤولين كبار آخرين. ردََّت إيران على الفور بقصف لدول الخليج العربية بذريعة اســتهداف القواعد العســكرية الأميركية، لكن هذه الضربات اتسعت لتشمل منشآت اقتصادية وخدمية ومدنية. تسببت الحرب بخسائر جسيمة للاقتصاد العالمي، وبتهديد غير مســبوق لدول المنطقة. وفيما تســتمر الحرب بصيغ مختلفة اقتصادية وسياسية، ومفاوضات مشحونة بقدر كبير من عدم الثقة والدعاية الخشنة فإن نتائج هذه الحرب ومساراتها لم تتضح بعد. لقــد حاولنــا في هذا العدد اللحاق بمتابعة وتحليــل الحرب وهي تدور، من خلال ، " الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران: سياق التصعيد ومسارات الحرب " دراسة التي تفك ِِّك منطق التصعيد وتوازنات الردع، وتُُبرز احتمالات الانتقال من المواجهات المحدودة إلى صراعات أوسع. في " ويمتد هذا التحليل إلى ساحة إقليمية وثيقة الصلة بتطورات الحرب، عبر دراسة ، التي تفك ِِّك بدورها ديناميات " ســياق الحرب على إيران: لبنان بين الحزب والدولة التفاعل بين مسارين متوازيين داخل لبنان، وتُُبرز طبيعة التوازنات التي تحكم العلاقة بينهما، في ظل ارتباط الساحة اللبنانية بالمستويين الإقليمي والدولي، بما يكشف عن أنماط إدارة الصراع وتحوّّلاته ضمن بيئة تفاوضية مركّّبة. وســنتابع دراسة واقع هذه الحرب وتداعياتها في الأعداد اللاحقة، بدراسات متعددة ومتعمقة بعدما تتضح صورة الحرب ونهاياتها. لقد وقعت الحرب في عالم يتسم بتسارع التحولات وتداخل الأزمات؛ حيث لم يعد تحليل الظواهر السياسية والإستراتيجية ممكنًًا ضمن الأطر التقليدية التي تفصل بين
| 6
الأمني والاقتصادي والتكنولوجي والاجتماعي بل أضحت هذه المجالات متشــابكة في بنية واحدة، تعكس انتقال النظام الدولي نحو مرحلة أكثر تعقيدًًا ولا يقينًًا؛ حيث تتغيــر طبيعة القوة، وتتبــدل أدوات الصراع، وتُُعاد صياغــة علاقات الفاعلين على لباب المســتويين الإقليمي والدولي. في هذا السياق، يأتي العدد الثلاثون من مجلة ليواكب هذه التحولات، عبر مجموعة من الدراسات التي للدراسات الإستراتيجية تقارب قضايا معاصرة من زوايا متعددة، تجمع بين التحليل النظري والتطبيق العملي. ما بعد الإنســانية وحروب الجيــل الخامس: إعادة " يتضمــن العدد دراســة بعنوان ، التي ترصد التحولات العميقة في " تشــكيل الصراع في عصر الفاعلية الخوارزمية طبيعة الحروب المعاصرة؛ حيث تتداخل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مع القرار العســكري، بما يعيد تعريف مفاهيم الفاعلية والســيادة والمســؤولية. وفي الســياق " الذكاء الاصطناعي وتحولات الحرب المعاصرة: غزة نموذج ًًا " ذاته، تأتي دراســة لتقــدم تطبيقًًا عمليًّّا لهــذه التحولات، من خلال تحليل دور الأنظمة الخوارزمية في إدارة العمليات العسكرية وتسريع اتخاذ القرار، وما يثيره ذلك من إشكالات قانونية وأخلاقية. إرهاصات " وفي سياق بحث التحولات الدولية الراهنة يتضمن العدد دراسة بعنوان ، التي تضع هذه الصراعات ضمن " أفول الهيمنة الغربية وإعادة تشكيل النظام الدولي سياق أوسع من التحولات البنيوية في النظام الدولي، مع صعود قوى جديدة وتراجع نسبي للهيمنة الغربية. الصبر الإستراتيجي: إطار مفاهيمي " وفي مســتوى التحليل المفاهيمي، تقد ِِّم دراسة قراءة نظرية لآليــات إدارة الصراع، مركزة على " ومقاربــة فــي الصراعات الدوليــة الزمن أداة إســتراتيجية فــي موازنة القوة وتحقيق الأهــداف. بينما ينتقل العدد إلى الدور التنموي للمرأة القطرية: المشاريع الصغيرة " البعد التنموي من خلال دراســة ، التي تبرز إسهام المرأة في دعم الاقتصاد غير النفطي وتعزيز " والمتوسطة نموذجًًا التحول نحو اقتصاد متنوع قائم على المعرفة. التدبير الناعم للحركات " أما على مستوى إدارة التفاعلات الداخلية، فتتناول دراسة تحولات أســاليب " الاحتجاجيــة في المغرب: نحو مقاربات بديلة للمقاربة الأمنية الدولة في التعامل مع الاحتجاجات، عبر اعتماد آليات الحوار والوساطة والسياسات
7 |
العمومية، في محاولة لتحقيق التوازن بين الاســتقرار ومتطلبات المشــاركة. ويُُختتم ، " الصين: انتقام الإمبراطورية.. هل دنت نهاية الغرب؟ " العدد بقراءة نقدية لكتاب التي تطرح أسئلة جوهرية حول صعود الصين وأزمة العولمة، وتحولات موازين القوة في النظام الدولي. إن ما يجمع بين هذه الدراسات، على تنوع موضوعاتها، هو سعيها إلى فهم التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر، سواء في طبيعة الحروب، أو في أنماط التفاعل السياســي، أو في مســارات التنمية، أو في بنية النظام الدولــي. فهي تعكس إدراكًًا متزايدًًا لأن القضايا الإســتراتيجية لم تعد أحاديــة البعد، بل تتطلب مقاربات مركبة تستوعب تعقيد الواقع وتشابك مستوياته. وفــي هــذا الإطار، يأمل هذا العدد أن يســهم في إثراء النقاش الأكاديمي حول هذه القضايا، وأن يفتح آفاقًًا جديدة للتفكير في مستقبل النظام الدولي، وطبيعة الصراعات القادمة، وإمكانات بناء نماذج أكثر توازنًًا واستدامة في إدارة التحولات. فبين تصاعد التوترات، وتسارع الابتكار التكنولوجي، وتبدل موازين القوة، يظل الرهان قائمًًا على إنتاج معرفة نقدية رصينة قادرة على الإحاطة بهذه التحولات واستشراف مساراتها.
دراسات وأبحاث
ما بعد الإنسانية وحروب الجيل الخامس: إعادة تشكيل الصراع في عصر الفاعلية الخوارزمية Posthumanism and Fifth-Generation Warfare: Reshaping Conflict in the Age of Algorithmic Agency * Basel Alrjoub – باسل رجوب ملخص يـّا في طبيعـة الصـراع يتجـاوز التطـور � اًا جذر يشـهد النظـام الدولـي المعاصـر تحـول ا ًا التقنـي ليعيـد تشـكيل مفهـوم الحـرب والفاعليـة نفسـها. لـم تعـد الحـرب فـعل يـّا يتركـز حـول الدولـة والإنسـان، بـل أصبحـت عمليـة شـبكية هجينـة � عسـكري ًّّا تقليد قائمـة على البيانـات الضخمـة والخوارزميـات والـذكاء الاصطناعـي، تسـتهدف البنـى الإدراكيـة والسـلوك الجماعـي قبـل التدميـر المادي. تنطلـق الدراسـة مـن فرضيـة أن يـّا في صناعـة القـرار العسـكري والسياسـي؛ � اًا بنيو الفاعليـة الخوارزميـة أصبحـت عـامل ممـا يطـرح أزمـات حـول المسـؤولية والسـيادة والشـرعية. وتسـتهدف الدراسـة تقديم قـراءة نقديـة تحليليـة تربـط بيـن الأمـن، والفلسـفة السياسـية، وأطروحـات مـا بعـد الإنسـانية، سـاعية إلـى فهـم التحـولات العميقـة في معنـى الحـرب والفاعليـة في العصـر الرقمـي. حــروب الجيــل الخامــس، الفاعليــة الخوارزميــة، مــا بعــد الكلمــات المفتاحيــة: الإنســانية، الحــروب الهجينــة، الســيادة الرقميــة. Abstract The contemporary international system is witnessing a profound transformation in the nature of conflict, one that goes beyond mere technological advancement to reshape the very concept of war and agency. War is no longer a traditional military act centred on the state and human actors; it has become a hybrid networked process driven by big data, algorithms and artificial intelligence, targeting cognitive structures and collective behaviour before material destruction. This study posits that algorithmic agency has emerged as a structural factor in military and political decision- making, raising critical challenges related to responsibility, sovereignty and * د. باسل رجوب، أستاذ القانون والعلاقات الدولية، كلية العلوم الإسلامية- فلسطين. Dr. Basel Alrjoub, Professor of Law and International Relations at the College of Islamic Sciences, Palestine.
legitimacy. It offers a critical analytical perspective that bridges security studies, political philosophy and post humanist thought, aiming to explain the deep shifts in the meaning of war and agency in the digital age.. Keyword: fifth-generation warfare, algorithmic agency, posthumanism, hybrid warfare, digital sovereignty.
13 |
مقدمة ا بنيويًّّا عميقًًا في طبيعة الصراع، يشــهد النظام الدولي في العقدين الأخيرين تحــولًا ا لم يعد يُُختزل في انتقال تقني من أدوات قتالية تقليدية إلى أدوات أكثر تطورًًا تحول ًا بل في انقلاب إبستمولوجي كامل على معنى الحرب، وفاعلها، وأدواتها، وفضائها، ومجال تأثيرها. فالحرب المعاصرة لم تعد حدثًًا عســكريًّّا محصورًًا في ميدان قتال ا ســياديًّّا محكومًًا بقواعد الاشــتباك الكلاســيكية، بل صارت بنية جغرافي، ولا فعلًا ممتدة متعددة الطبقات تتقاطع فيها الفاعلية السياســية مع الفاعلية الرقمية، وتتداخل فيها الســلطة مع الخوارزمية، ويتراجع فيها الإنســان من موقع الفاعل المركزي إلى موقع الكيان المُُدار حسابيًّّا داخل منظومات قرار شبه آلية. إن تطــور أجيــال الحروب الخمس يعكس مســارًًا تحوليًّّا عميقًًا فــي بنية الصراع المســلح، انتقل من الضبط الشــكلي إلى التفكيك الإدراكي؛ إذ تُُمثل حروب الجيل )؛ حيث تكرس احتكار 1648 ) المرحلة التي أعقبت صلح وســتفاليا ( 1GW الأول ( ، عبر تكتيكات " ثقافة النظام " الدولة للعنف ضمن إطار بيروقراطي صارم قائم على خطيــة وتنظيمات هندســية تفصل بوضوح بين العســكريين والمدنيين. ومع الثورة ثقافة القوة النارية " ا إلى ) بوصفها انتقالًا 2GW الصناعية، برزت حروب الجيل الثاني ( ؛ حيث أصبحت المدفعية والنيران غير المباشرة هي أداة الحسم ضمن منطق " الكثيفة اســتنزافي صناعي يُُدار مركزيًّّا ويقيــس النصر بكمية الموارد والقدرة الإنتاجية، غير )، التي دش ََّنت 3GW أن جمود هذا النموذج أفضى إلى نشوء حروب الجيل الثالث ( ، مركِِّزة على الســرعة والمباغتة والتغلغل " ثقافة المناورة " قطيعة مفاهيمية عبر تبني العملياتي لتفكيك منظومة العدو من الداخل بدل تدميرها ماديًّّا، مع تعزيز اللامركزية ومنح المبادرة للوحدات الميدانية. وفي منعطف أكثر راديكالية، جاءت حروب الجيل ) لتقوض احتكار الدولة للعنف، مُُدخلة فواعل غير دولتية في صراع 4GW الرابــع ( )، تتلاشــى فيه الحدود بين الحرب والسياســة، Asymmetric warfare غير متماثل ( ويُُستهدف فيه الوعي الجمعي والإرادة السياسية عبر أدوات نفسية وإعلامية وشبكية، )، فتمثل ذروة هــذا التحول، إذ تنتقل الحرب 5GW أمــا حــروب الجيل الخامس ( مــن المجالين، المادي والمؤسســاتي، إلى المجال الإدراكــي الخالص، حيث تُُدار الصراعــات عبر الفاعلية الخوارزمية والذكاء الاصطناعي في بيئات معلوماتية معقدة
| 14
تهدف إلى إعادة تشــكيل وعي الخصم وتفكيك بنيته الداخلية دون مواجهة مباشرة، الذي تتلاشى فيه الحدود بين السلم " اللا يقين الإستراتيجي " بما يفضي إلى نمط من .) 1 والحرب، ويغدو فيه الإنسان ذاته موضوعًًا للصراع لا أداة له( بوصفهــا التعبير الأكثر تطرفًًا عن " حروب الجيل الخامس " فــي هذا الســياق، تبرز هــذا التحول؛ إذ لا تقوم على التدمير المادي المباشــر بقــدر ما تقوم على تفكيك البنى الإدراكية، وإعادة هندسة الوعي، والتحكم في أنماط السلوك الجماعي، وتوجيه الإدراك السياسي عبر أدوات رقمية قائمة على البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والخوارزميات التنبؤية. وهي بذلك لا تستهدف الجسد قبل أن تستهدف العقل، ولا تحتل الأرض قبل أن تحتل الفضاء السيبراني والرمزي. التي تفك ِِّك مركزية " ما بعد الإنسانية " ويتقاطع هذا النمط من الصراع مع أطروحات الإنسان في الفلسفة الحديثة، وتعيد تعريف الفاعلية بوصفها نتاجًًا شبكيًّّا موزعًًا بين البشــر، والآلات، والخوارزميات، والبنى التقنية. فالحرب في عصر ما بعد الإنسانية ا إنسانيًّّا صرفًًا بل عملية هجينة تشترك فيها الكيانات البيولوجية والرقمية لم تعد فعلًا في إنتاج القرار، وتنفيذه، وتوجيه نتائجه. ومن ثم، فإن تحليل حروب الجيل الخامس ا تقنيًّّا قاصرًًا، عاجزًًا عن دون مساءلة الأساس الفلسفي لما بعد الإنسانية يظل تحليلًا إدراك التحول العميق في بنية الفاعلية ذاتها. تنبــع أهمية هذه الدراســة من كونها تتجــاوز المقاربات الوصفيــة لحروب الجيل الخامــس، والتي تكتفــي بتعداد أدواتها وتقنياتها، إلى مقاربــة تحليلية نقدية تفك ِِّك الأسس الفلسفية والمعرفية التي تجعل هذا النمط من الصراع ممكنًًا. فالقيمة العلمية للدراسة لا تكمن في وصف الأدوات، بل في تفكيك المنطق الذي يحكم اشتغالها، وفي تحليل التحول من فاعلية إنسانية سيادية إلى فاعلية خوارزمية موزعة. كما تكتسب الدراسة أهميتها من إسهامها في ربط حقل الدراسات الأمنية والعسكرية بحقول فلســفية معاصرة، وفي مقدمتها فلســفة ما بعد الإنســانية، وفلســفة التقنية، ونظريات الفاعلية غير البشــرية. فهذا الربــط لا يزال ضعيف الحضور في الأدبيات العربية بل وحتى في جزء معتبر من الأدبيات العالمية التي تتعامل مع حروب الجيل الخامس بوصفها ظاهرة تقنية أو إســتراتيجية، دون مســاءلة الأســاس الأنطولوجي والمعرفي الذي أعاد تعريف الحرب ذاتها.
15 |
وتتجلى أهمية الدراسة كذلك في بعدها النقدي؛ إذ لا تتعامل مع الفاعلية الخوارزمية ا يطرح إشكاليات أخلاقية وسياسية وقانونية، بوصفها تقدمًًا محايدًًا بل بوصفها تحولًا تتصل بمســؤولية القرار وحدود المحاســبة وتآكل الســيادة وتفكك مفهوم الفاعل السياسي التقليدي. تنطلق الدراسة من إشكالية مركزية مفادها أن حروب الجيل الخامس لا تمثل مجرد مرحلة متقدمة في تطور أدوات الصراع، بل تعبِِّر عن تحول جذري في بنية الفاعلية ذاتها، تحول يتقاطع مع أطروحات ما بعد الإنسانية التي تنزع المركزية عن الإنسان لصالح شبكات من الفاعلين الهجينين، البشر والتقنيات والخوارزميات. وتتفرع عن هذه الإشكالية الرئيسية مجموعة من الأسئلة التحليلية العميقة، من أبرزها: كيف أعادت الفاعلية الخوارزمية تشكيل مفهوم الحرب من فعل سيادي إنساني إلى عملية شبكية موزعة؟ إلى أي حد يمكن اعتبار حروب الجيل الخامس تجســيدًًا عمليًّّا لأطروحات ما بعد الإنسانية؟ ما طبيعة التحول في مفهوم المسؤولية السياسية والقانونية في ظل قرارات تُُنتج داخل أنظمة شبه ذاتية؟ كيف يؤثر هذا التحول على مفاهيم السيادة، والشرعية، والردع، والمحاسبة؟ تنطلق الدراســة من مجموعة من التســاؤلات المنهجية التي تسعى إلى البحث عن إجاباتها، وأهمها: ا إنسانيًّّا واعيًًا ا من الحرب بوصفها فعلًا . كيف تمثل حروب الجيل الخامس انتقالًا 1 إلى الحرب بوصفها عملية خوارزمية موزعة تشــترك في إنتاجها أنظمة رقمية ذات قدرة تنبؤية وتقريرية؟ . هل توفر الفلسفة ما بعد الإنسانية الإطار النظري الأقدر على تفسير هذا التحول، 2 من خلال تفكيك مركزية الإنسان في الفاعلية التاريخية والسياسية؟ . ما مدى الأزمة التي تنتجها الفاعلية الخوارزمية في مفاهيم المسؤولية والمحاسبة، 3 نتيجة تشتت القرار بين فاعلين بشريين وغير بشريين؟
| 16
. كيــف يعيد هذا التحول تعريف مفاهيم الســيادة والشــرعية فــي النظام الدولي 4 المعاصر؟ تعتمد الدراسة على توليفة منهجية مركبة، تفرضها طبيعة الموضوع متعددة المستويات، وتتمثل في: المنهــج التحليلي التفكيكــي: لتفكيك المفاهيم المركزية مثــل الحرب، والفاعلية، والخوارزمية، وما بعد الإنسانية، وكشف تحولاتها الدلالية والتاريخية. المنهج النقدي: لمســاءلة الخطاب التقني والإســتراتيجي الذي يقدم حروب الجيل الخامس بوصفها تقدمًًا محايدًًا، وكشــف ما ينطوي عليه من افتراضات أيديولوجية ومعرفية. المنهج المقارن: لمقارنة أنماط الحرب التقليدية بأنماط الحرب في الجيل الخامس، ومقارنة الفاعلية الإنسانية بالفاعلية الخوارزمية. المنهــج البين-تخصصي: الذي يدمج بين الفلســفة السياســية، ونظريــات التقنية، والدراسات الأمنية، ونظريات العلاقات الدولية. تستند الدراسة إلى مجموعة من المداخل النظرية التي تشكل إطارها التحليلي العام، وفي مقدمتها: . مدخل ما بعد الإنسانية: الذي ينزع المركزية عن الإنسان، ويعيد تعريف الفاعلية 1 بوصفها نتاجًًا شبكيًّّا موزعًًا بين البشر والتقنيات. . مدخل فاعلية الفاعلين غير البشــريين: الذي يمنح للأنظمة التقنية والخوارزميات 2 ا في إنتاج القرار والسلوك السياسي. موقعًًا فاعلًا . مدخــل دراســات التقنية والســلطة: الذي يربــط بين البنية التقنيــة وبنية الهيمنة 3 والسيطرة. . مدخل التحول في طبيعة الحرب: الذي يفســر الانتقال من الحروب الصلبة إلى 4 الحروب الإدراكية والرمزية والسيبرانية. وبنــاء على هذه المداخل، لا تتعامل الدراســة مــع حروب الجيل الخامس بوصفها ظاهرة عســكرية فحســب بل بوصفها تعبيرًًا عن تحول أنطولوجي في موقع الإنسان
17 |
داخل منظومة الفعل التاريخي، وتحول معرفي في معنى القرار، وتحول سياسي في بنية السلطة ذاتها. المبحث الأول التحول الفلسفي في بنية الفاعلية من الإنسان السيادي إلى الكيان الهجين لا يمكــن تفكيــك بنية الصراع المعاصر، ولا إدراك منطق اشــتغاله الخفي، إلا عبر مســاءلة الأســاس الفلســفي الذي حكم تصور الفاعلية في الفكر الحديث، والذي تشــك ََّل حول مركزية الإنســان بوصفه ذاتًًا عاقلة، ســيدة على فعلها، ومتحكمة في قرارهــا، وقــادرة على توجيه التاريخ مــن خلال إرادة واعية ومقصودة. هذا التصور لم يكن مجرد افتراض فلســفي مجرد، بل تحول إلى بنية معرفية مهيمنة انعكســت في النظرية السياســية، وفي الفلســفة الأخلاقية، وفي الفكــر القانوني، وفي النظرية العسكرية، حيث تم بناء مفهوم السيادة، والدولة، والحرب، والقرار، على أساس أن ا في الدولة أو القائد أو النخبة السياسية. الفاعل المركزي هو الإنسان، ممثلًا " جوهر التفكير " لقــد بلور رينيه ديكارت هذا التصور حين أســس للــذات بوصفها ،) 2 القادر على إنتاج اليقين من داخله، وجعل من العقل أســاس كل فعل ومعرفة( ثم جاء إيمانويل كانط ليجعل الذات العاقلة شرط إمكان التجربة والمعرفة، ويمنحها ). وتََوََّج هيغل هذا المســار حين جعل 3 موقعًًا تأسيســيًّّا في بناء العالم الظاهراتي ( التاريخ ذاته مســرحًًا لتجلي العقل عبر أفعال البشــر والدول، بحيث يغدو الصراع )، وقد انعكس هذا 4 والحــرب لحظات في مســار العقل الكوني نحو وعي ذاتــه ( التصور بوضوح في النظرية العسكرية الكلاسيكية، ولاسيما عند كارل فون كلاوزفيتز، ا سياديًّّا صادرًًا الذي جعل الحرب امتدادًًا مباشــرًًا للإرادة السياســية الواعية، أي فعلًا .) 5 عن عقل الدولة وإرادتها( س ـ َت الفكر الغربي � غيــر أن هذا البنــاء المفهومي بدأ يتصدع مع تحولات عميقة م منذ أواخر القرن التاسع عشر، حين بدأ الشك يتسرب إلى فكرة الذات السيدة على نفســها، فقد كشــف نيتشه أن ما يسمى بالإرادة الحرة ليس سوى بناء أخلاقي يخفي صراعــات قوى لا واعية، وأن الفعل الإنســاني تحكمه إرادات قوة لا يعيها الفاعل )، ثم جاء فرويد ليؤكد أن قسمًًا كبيرًًا من السلوك الإنساني محكوم ببنى لا 6 نفسه (
| 18
)، ومع البنيوية وما بعدها، جرى تفكيك مفهوم 7 شــعورية لا تخضع لرقابة العقل ( الذات ذاته، بحيث لم تعد تُُفهم بوصفها مركزًًا للفعل، بل بوصفها نتاج ًًا لبنى لغوية، وثقافية، ومؤسساتية. بوصفه مركزًًا معرفيًّّا وأخلاقيًّّا، " موت الإنسان " في هذا الســياق، أعلن ميشيل فوكو معتبرًًا أن الإنســان ليس إلا اختراعًًا حديثًًا ســرعان ما ستطمسه التحولات المعرفية )، كما بيََّن أن الفاعلية ليست خاصية ذاتية بل وظيفة تُُنتج داخل شبكات 8 القادمة ( من الخطابات والمؤسسات والسلطات. أما برونو لاتور، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك حين رفض الفصل بين البشر والأشياء والأنظمة، معتبرًًا أن الفعل التاريخي هو دائمًًا .) 9 نتاج شبكات هجينة تشترك فيها كيانات بشرية وغير بشرية ( مــن هنا، فإن هذا المبحث لا يتعامل مــع التحول نحو الخوارزميات بوصفه مجرد تطور تقني لاحق، بل بوصفه تتويج ًًا لمســار فلســفي طويل فك ََّك مركزية الإنســان، وأعاد تعريف الفاعلية بوصفها عملية موزعة داخل شبكات مركبة من البشر والتقنيات والخطابات، فقبل تحليل حروب الجيل الخامس بوصفها ظاهرة إستراتيجية، لابد من تفكيك الأســاس الفلســفي الذي أعاد تعريف معنى الفعل ذاته، لأن الحرب ليست ارتكــزت الفلســفة الحديثة منذ ديكارت على تصــور ميتافيزيقي يجعل الذات مركز يؤســس ديكارت " تأملات ميتافيزيقية " العالــم، ومصدر المعنى، ومنبع الفعل. ففي لليقين عبر الكوجيتو، أي عبر قدرة الذات على إدراك نفسها بوصفها جوهرًًا مفكرًًا ). هذا التصور ســرعان ما تحول إلى قاعدة ضمنية للفكر 10 ا عن العالم ( مســتقل ًّا ا سياديًّّا وإرادة واعية، وتتصرف تملك عقلًا " ذاتًًا كبرى " السياسي؛ حيث غدت الدولة ا موحدًًا. بوصفها فاعلًا عند كانط، تغدو الذات شرط إمكان المعرفة، وهي التي تفرض صورها القبلية على ). وعند هيغل، 10 التجربة؛ ما يجعل العالم كما يظهر لنا نتاجًًا لبنية العقل الإنساني( يتجلى العقل المطلق عبر التاريخ من خلال أفعال الشــعوب والدول، بحيث يصبح سوى أحد تجليات الفاعلية في صورتها القصوى. ا : تفكك مركزية الإنسان في الفلسفة الحديثة أول ًا . إعادة تعريف الفاعلية خارج الإطار الإنساني الخالص 1
19 |
). هذا التصور بلغ ذروته 11 الصراع والحرب لحظات في مسار الوعي الذاتي للعقل( في الفلســفة السياسية الحديثة التي ربطت الســيادة بالإرادة العامة، وربطت الحرب بإرادة الدولة. غير أن هذا النموذج بدأ يتآكل مع التحولات النقدية التي مس ََّت مفهوم الذات، فقد ليس سوى افتراض لغوي وأخلاقي يخفي ديناميات القوة، " الفاعل " كشف نيتشه أن )، ثم جاء فرويد ليبيِِّن أن الذات ليست سيدة 12 وأن الفعل يسبق الفاعل لا العكس ( ). ومع البنيوية، 13 في بيتها، وأن اللاشعور يوجه جزءًًا كبيرًًا من السلوك دون وعي ( تحولــت اللغة والبنى الرمزية والمؤسســات إلى فواعــل خفية تنتج الذوات بدل أن تنتجها الذوات. في هذا السياق، يرى فوكو أن الفاعلية ليست ملكية ذاتية بل وظيفة تنتج داخل أنساق السلطة والمعرفة. فالفاعل لا يوجد خارج الشبكة الخطابية والمؤسساتية التي تحدد داخل أي " بل: " من يفعل؟ " ). ولذلك، فإن السؤال ليس: 14 ما يمكن قوله وفعله ( . هذا التحليل ينســف فكرة " نظام من القواعد والخطابات يصبح هذا الفعل ممكنًًا؟ القرار السيادي الخالص ويفتح المجال لفهم الفعل بوصفه نتيجة تموضع داخل شبكة من القوى. أما برونو لاتور، فقد رفض أن تُُنســب الأفعال حصرًًا إلى البشــر معتبرًًا أن كل فعل تشــمل البشر والأدوات والأنظمة والرموز " الفاعلين " اجتماعي هو نتاج شــبكة من ). ففــي تصــوره، الفعل لا يمكن عزوه إلى كيان واحد، لأن كل فعل هو نتيجة 15 ( سلسلة من الترجمات والتوسطات بين عناصر متعددة. هــذا التحول النظري يعني أن الانتقال إلــى عصر الخوارزميات لا يمثل قطيعة، بل يمثل تتويج ًًا لمسار طويل من تفكيك مركزية الإنسان. فالخوارزمية ليست دخيلة على مفهــوم الفاعليــة بل هي التعبير الأقصى عن منطق توزيع الفعل بين كيانات متعددة. وحين يصبح القرار نتاج تفاعل بين بشر وأنظمة بيانات ونماذج تنبؤية فإن السؤال لم يعد: من اتخذ القرار؟ بل: كيف تََشََك ََّل القرار داخل شبكة من الفاعلين؟ وعليــه، فــإن هذا التحول ينقلنا من منطق الســيادة إلى منطــق التوزع، ومن مفهوم المسؤولية الفردية إلى مفهوم المسؤولية الشبكية الملتبسة؛ حيث يتعذر تحديد موضع
| 20
القــرار بدقة، ويتحــول الفعل إلى نتيجة تركيبية لا يمكن ردها إلى فاعل واحد دون تعسف معرفي. . التقنية بوصفها شريكًًا أنطولوجيًّّا في إنتاج الفعل 2 لم تعد التقنية في الفكر المعاصر تُُفهم بوصفها مجرد أداة في يد الإنسان، بل بوصفها عنصرًًا مكونًًا لبنية الوجود الإنســاني ذاتــه. فقد بيََّن مارتن هايدغر أن جوهر التقنية ليس تقنيًّّا بل هو نمط في كشــف الوجود؛ حيث تجعل التقنية العالم يظهر بوصفه .) 16 ا للتوظيف والسيطرة ( قابل ًا " مخزون ًًا " ويرى جاك إيلول أن التقنية تتحول من وسيلة إلى غاية وأنها تفرض منطقها الخاص علــى المجتمع والسياســة والأخلاق، بحيث يعاد تنظيم الفعل الإنســاني كله وفق .) 17 مقتضيات الكفاءة التقنية لا وفق القيم الإنسانية التقليدية ( أما في فلســفات ما بعد الإنســانية، كما عند دونا هاراواي، فإن الحدود بين الإنسان والآلة والطبيعة تصبح حدودًًا وهمية. فالإنســان المعاصر كيان هجين يتكون وجوده .) 18 عبر تداخل بيولوجي وتقني وثقافي ( وفي الســياق ذاته، يذهب برنارد ســتيغلر إلى أن التقنية تعيد تشكيل الذاكرة والزمان والقرار لأنها تتدخل في آليات التذكر والتوقع والتخطيط، وبذلك تشــارك في إنتاج .) 19 شروط الفعل ذاته ( في المجال السياسي والعسكري، يعني ذلك أن أنظمة تحليل البيانات والخوارزميات التنبؤية وأنظمة دعم القرار لا تكتفي بتقديم معلومات بل تشــارك في تشــكيل الأفق ، " ا حل ًّا " ، وما يظهر بوصفه " مشكلة " الذي يُُتخذ فيه القرار. فهي تحدد ما يظهر بوصفه وما يستحق الاهتمام وما يمكن تجاهله. وبالتالي، يمكن القول: إن أخطر ما في هذا التحول هو أنه يُُنتج وهمًًا جديدًًا بالحياد؛ إذ تُُقــد ََّم الخوارزميــات بوصفها أدوات موضوعية في حين أنها مشــبعة بافتراضات مصم ِِّميها، وبمصالح الجهات التي تتحكم في بياناتها، وبمنطق السيطرة الذي يحكم اســتخدامها. ومن ثم، فإن الفاعلية الخوارزمية ليســت خروج ًًا من الأيديولوجيا بل إعادة إنتاج لها في صورة تقنية أقل قابلية للمساءلة وأكثر قدرة على التخفي.
21 |
إن تفكك مركزية الإنســان وصعود التقنية شــريكًًا أنطولوجيًًّا في إنتاج الفعل يضع الأساس الفلسفي لفهم حروب الجيل الخامس بوصفها حروبًًا ما بعد إنسانية؛ حيث لا يكون الإنسان فيها الفاعل الوحيد ولا حتى الفاعل المركزي بل أحد عُُقََد شبكة معقدة تُُنتج الصراع وتديره وتعيد تشكيل نتائجه. ثانيًًا: ما بعد الإنسانية بوصفها إطار ًًا تفسيريًّّا لتحولات الصراع . الحرب حدثًًا ما بعد إنساني: من الفاعل السيادي إلى الشبكة الهجينة 1 إذا كانت الفلســفة الحديثة قد ربطت الحرب بإرادة إنســانية واعية تتجسد في سيادة الدولــة، فإن تحولات العقــود الأخيرة أفرزت نموذج ًًا مغايرًًا لا يمكن فهمه إلا في ضوء أطروحات ما بعد الإنســانية، التي تنزع المركزية عن الإنســان، وتعيد تعريف الفاعلية بوصفها نتاجًًا شــبكيًّّا موزعًًا بين البشــر والآلات والبنى الرقمية والأنظمة ا إنســانيًّّا خالص ًًا بل حدثًًا هجينًًا الخوارزميــة. ففــي هذا الأفق، لا تعود الحرب فعلًا تشترك في إنتاجه كيانات متعددة المستويات، بشرية وغير بشرية، مادية ورقمية، واعية ولا واعية. )* بالمعنى Cyborg ( " سايبورغ " ترى دونا هاراواي أن الكائن الإنساني المعاصر هو الأنطولوجــي، أي كيان يتكون وجوده عبر تداخل بيولوجي وتقني وثقافي، وأن هذا التداخل ينســف أي تصور جوهري للإنســان بوصفه ذاتًًا مســتقلة عن بنيته التقنية ). وإذا كان هذا صحيحًًا على مســتوى الوجود الفردي فإنه يصبح أكثر جذرية 20 ( على مستوى الفعل السياسي والعسكري؛ حيث تتشابك الإرادات البشرية مع أنظمة الاستشعار وتحليل البيانات والمحاكاة الرقمية والخوارزميات التنبؤية في إنتاج القرار وفي تنفيذ نتائجه. في هذا الســياق، يؤكد نِِك بوســتروم أن صعود الأنظمة الذكية لا يغيِِّر فقط أدوات الفعل بل يعيد تشــكيل طبيعة الفاعل ذاته، لأن الإنســان لم يعد الفاعل الوحيد بل أحد مكونات منظومة فاعلية أوســع تشــترك فيها أنظمة غير بشــرية ذات قدرة على ). هذا التحليل يعني أن الحرب لم تعد نتاج إرادة سياسية بشرية 21 التعلم والتكيف ( فحسب بل نتيجة تفاعل معقد بين إرادات بشرية ونماذج خوارزمية وأنظمة معلوماتية تعيد ترتيب الأولويات وتحدد أنماط الاستجابة الممكنة.
| 22
القرار البشري " ا من منطق ويرى ريتشارد غريغوري أن الحروب المعاصرة تشهد انتقالًا ؛ حيث تقوم الأنظمة الرقمية بتحديد " الدعم الخوارزمي للقرار " إلى منطق " المركزي مساحات الرؤية المتاحة لصانع القرار، وترشيح الخيارات التي تظهر بوصفها عقلانية ). وبذلك، فإن الإنسان لا يقرِِّر في فراغ بل داخل أفق تقني يحدد مسبقًًا 22 أو فع ََّالة ( ما يمكن التفكير فيه وما يمكن استبعاده. ا أخلاقيًّّا يمكن نسبته إلى ذات بشرية من منظور ما بعد إنساني، لا تعود الحرب فعلًا محددة بل حدثًًا شبكيًّّا تتوزع فيه الفاعلية بين عناصر متعددة. ويؤكد روزنبرغ أن هذا التحــول يجعل الحرب أقل ارتباطًًا بالفعل الواعي وأكثر ارتباطًًا بالعمليات الموزعة .) 23 التي تعمل بسرعة تفوق قدرة الوعي البشري على الاستيعاب ( لا يعني إلغاء الإنسان من " حدثًًا ما بعد إنساني " لذا، فإن توصيف الحرب بوصفها الصراع بل يعني زحزحته من موقع الفاعل الســيادي إلى موقع العقدة داخل شــبكة؛ حيث يتقاطع فعله مع أفعال كيانات أخرى لا يملك الســيطرة الكاملة عليها. وهذا التحول يغيِِّر جذريًّّا معنى الحرب؛ فهي لم تعد صراع إرادات بشرية مباشرة بل صراع شبكات وخوارزميات وبنى معلوماتية تستخدم البشر بقدر ما يستخدمونها. . إعادة بناء مفاهيم القرار والمسؤولية في ظل الفاعلية الموزعة 2 إن أحد أخطر نتائج التحول ما بعد الإنساني في بنية الصراع هو إعادة تعريف مفهومي ا واعيًًا صادرًًا القرار والمسؤولية. ففي النموذج الكلاسيكي، يُُفهم القرار بوصفه فعلًا عن ذات أو مؤسسة سيادية يمكن مساءلتها أخلاقيًّّا وقانونيًّّا. أما في النموذج الشبكي؛ حيث يتوزع الفعل بين بشر وأنظمة تقنية وخوارزميات، فإن القرار لا يصدر عن نقطة واحدة بل يتكون عبر سلسلة من العمليات الحسابية والترشيحات الآلية والتدخلات البشرية الجزئية. ا عن القرار لا يمكن فهمه بوصفه بديلًا " القرار الخوارزمي " يــرى لوتــز فريدريش أن )؛ فالخوارزمية 24 البشــري بل بوصفه طبقة وسيطة تعيد تشكيل شروط القرار ذاته ( لا تتخــذ القــرار بالمعنى الأخلاقي لكنها تحدد الإطار الذي يظهر فيه القرار بوصفه ا ًا. ممكنًًا أو معقول
23 |
وتشير كاثي أونيل إلى أن الخوارزميات ليست محايدة بل مشبعة بتحيزات مصمميها ا جديدًًا من السلطة وبالبيئات الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها، وأنها تمارس شكلًا )، وعندما تُُستخدم هذه 25 غير المرئية لأنها تعمل تحت ستار الموضوعية الرياضية ( الخوارزميات في المجال العسكري، فإنها لا تكتفي بتقديم معلومات بل تشارك في تحديد من هو العدو، وما هو الهدف، وما هو الخطر. أما من حيث المســؤولية، فإن الفاعلية الموزعة تخلق ما يســميه لوكاس إنغلهارت ، أي صعوبة تحديد من يتحمل المســؤولية الأخلاقية والقانونية عن " أزمة الإســناد " ). فإذا ارتكبت 26 نتائــج أفعال تشــاركت في إنتاجها أنظمة بشــرية وغير بشــرية ( خوارزمية خطأ في التمييز بين هدف مدني وعســكري؛ فمن المســؤول؟ المبرمج؟ بـ ًا واضح ًًا داخل الإطار � القائد؟ المؤسســة؟ النظام ذاته؟ هذا الســؤال لا يجد جوا القانوني والأخلاقي الكلاسيكي. ويرى بيتر آسكرسون أن هذه الأزمة ليست تقنية فحسب بل أنطولوجية؛ لأنها تمس مفهوم الفاعل ذاته، الذي لم يعد وحدة متماسكة يمكن تحميلها المسؤولية، بل شبكة .) 27 من الفاعلين الجزئيين الذين يتوزع بينهم الفعل دون مركز واضح ( وعليه، فإن أخطر ما في هذا التحول هو أنه يفتح المجال لتبديد المســؤولية تحت ذريعة التعقيد التقني. فكل فاعل بشــري يمكنه أن يدََّعي أنه لم يكن ســوى حلقة صغيــرة في سلســلة طويلة، وأن القرار النهائي لم يكــن بيده وحده. وهكذا تتحول الفاعلية الموزعة من أداة تحليلية إلى أداة تبرير تُُســتخدم لتخفيف العبء الأخلاقي عن الفاعلين البشريين. وهذا يعني أن حروب الجيل الخامس، بوصفها حروبًًا ما بعد إنسانية، لا تعيد فقط تشكيل أدوات الصراع بل تعيد تشكيل الأساس الأخلاقي والقانوني الذي يقوم عليه مفهوم الحرب ذاته. فهي تنقلنا من منطق المســؤولية المحددة إلى منطق المسؤولية الملتبســة، ومن منطق القرار الواعي إلى منطق القرار الشــبكي؛ حيث يصبح الفعل نتيجة تركيبية لا يمكن ردُُّها إلى فاعل واحد دون تبسيط مخل. إن هذا التحول يفرض على الفكر السياسي والقانوني والأخلاقي أن يعيد بناء مفاهيمه الأساسية، لأن الإصرار على تطبيق مفاهيم السيادة والقرار والمسؤولية، كما صيغت
| 24
في عصر الفاعلية الإنسانية المركزية، على واقع تحكمه الفاعلية الخوارزمية الموزعة لا يؤدي إلا إلى عجز تحليلي، وإلى فراغ معياري يتيح للتقنية أن تمارس ســلطتها دون مساءلة حقيقية. المبحث الثاني حروب الجيل الخامس والفاعلية الخوارزمية في إعادة هندسة الصراع إذا كان المبحث الأول قد اشــتغل على تفكيك الأســاس الفلســفي لتحول الفاعلية من مركزيتها الإنســانية إلى صيغتهــا الموزعة والهجينة، فإن هذا المبحث ينتقل من المســتوى الأنطولوجي-الإبستمولوجي إلى المســتوى الإستراتيجي-السياسي، بغية تحليل الكيفية التي تتجسد بها هذه الفاعلية الخوارزمية داخل أنماط الصراع المعاصر، ، فهذه " حروب الجيل الخامس " وبصورة مخصوصة داخل ما اصطلح على تسميته بـ الحــروب لا تمثــل مجرد مرحلة تقنية لاحقة في تطور وســائل القتال، بل تعبِِّر عن انقلاب في منطق الحرب ذاته، من الحرب بوصفها مواجهة مادية مباشــرة بين قوى عســكرية متقابلة إلى الحرب بوصفها عملية معقدة لإعادة تشــكيل الإدراك وضبط السلوك وهندسة الفضاء الرمزي والسيبراني عبر أدوات خوارزمية قادرة على التدخل في البنية العميقة للوعي الفردي والجماعي. إن انتقــال الصــراع من ميــدان الجغرافيا إلى فضــاء الإدراك لا يعني اختفاء العنف المادي بل يعني إعادة ترتيبه داخل بنية أوسع يكون فيها العنف الفيزيائي مجرد لحظة من لحظات صراع إدراكي-خوارزمي أســبق وأعمق. فالقصف العســكري لا تكون غايته التدمير فقط بل إنتاج معنى سياســي وإعلامي ونفســي؛ والعمليات الســيبرانية لا تستهدف البنية التحتية التقنية فحسب بل الثقة العامة والاستقرار الإدراكي وقابلية المجتمع لإعادة تأويل ذاته. وتبعًًا لذلك، فإن تحليل حروب الجيل الخامس يقتضي تجاوز الأدبيات التي تحصرها في قائمة من الأدوات (الإعلام الرقمي، وسائل التواصل، الحرب السيبرانية، الذكاء الاصطناعي)، إلى مســاءلة المنطق الذي يحكم اشتغال هذه الأدوات بوصفها تعبيرًًا عن فاعلية خوارزمية تتدخل في تشكيل الواقع الاجتماعي والسياسي ذاته. ومن هنا، يشــتغل هذا المبحث على تفكيك التحول من الحرب المادية إلى الحرب الإدراكية
25 |
والخوارزمية ثم على تحليل الآثار السياسية والقانونية لهذا التحول تمهيدًًا لفهم أعمق لأزمة السيادة والمسؤولية في عصر الحرب الشبكية. ا : من الحرب المادية إلى الحرب الإدراكية والخوارزمية أول ًا . الخوارزمية أداة للسيطرة الإدراكية 1 يشك ِِّل الانتقال من الحرب المادية إلى الحرب الإدراكية أحد أهم التحولات البنيوية في طبيعة الصراع المعاصر، فالحرب الكلاسيكية، كما صاغها كارل فون كلاوزفيتز، كانت تُُفهم بوصفها صراع إرادات سياســية يُُحســم عبر القوة المسلحة، حيث تكون ). أما في الحروب المعاصرة، 28 المعركة الفيزيائية هي الفضاء الحاســم للصــراع ( وبصورة خاصة في حروب الجيل الخامس، فإن المعركة الأساســية لم تعد تُُخاض في الميدان العسكري فقط بل في ميدان الإدراك، أي في كيفية رؤية الفاعلين لأنفسهم وللآخرين وللواقع وللمستقبل الممكن. إلى " تحطيم قدرات العدو " ا من يرى مارتن ليبكي أن الحروب الحديثة تشهد انتقالًا ، أي عبر التأثير في تصوراته وتوقعاته وقدرته " تفكيك إرادته عبر السيطرة الإدراكية " )، وهذا يعني أن الصراع لم يعد يســتهدف الجســد 29 على تأويل ما يحدث حوله ( فقط بل يستهدف البنية المعرفية التي من خلالها يفسر الجسد ما يتعرض له. في هذا الســياق، تلعــب الخوارزميات دورًًا مركزيًّّا بوصفهــا أدوات لإدارة التدفق المعرفــي وتوجيهه؛ فخوارزميات محركات البحــث ومنصات التواصل الاجتماعي وأنظمة التوصية لا تعمل فقط على تنظيم المعلومات بل على إعادة ترتيب الأهمية، يـ ِن إِِلِِي بارايزر أن هذه � وتحديــد مــا يُُرى وما يُُخفى، وما يتكرر وما يُُنســى. وقد ب ؛ حيث يُُحاص ََر الأفراد داخل دوائر " فقاعة الترشــيح " الخوارزميات تخلق ما يســميه .) 30 معرفية مغلقة تعيد إنتاج قناعاتهم المسبقة وتمنعهم من رؤية بدائلها ( وعندما تُُســتخدم هذه الخوارزميات في ســياق الصراع السياسي أو العسكري، فإنها تتحول إلى أدوات للســيطرة الإدراكية، لأنها لا تفرض خطابًًا واحدًًا بالقوة بل تعيد هندسة المجال الذي تتشكل فيه القناعات ذاتها. وهنا تكمن خطورتها: فهي لا تعمل بمنطق الدعاية الكلاسيكية التي تخاطب الوعي مباشرة بل بمنطق إعادة تشكيل شروط إمكان الوعي.
| 26
يشــير مانويل كاســتلز إلى أن السلطة في العصر الشبكي لم تعد تُُمارََس أساس ًًا عبر الســيطرة المباشرة على الأجساد بل عبر السيطرة على تدفقات المعلومات والمعاني )؛ فالذي يتحكم في الشــبكة يتحكم في ما يظهر بوصفه واقعًًا 31 داخل الشــبكات ( وما يختفي بوصفه غير ذي صلة. ومن هنا، فإن الخوارزمية ليست أداة تقنية محايدة بل بنية سلطوية غير مرئية تعيد إنتاج الهيمنة في صورة تدفق معرفي. ويرى توماس ريد أن الحرب المعلوماتية لم تعد تقتصر على نشــر الأخبار الكاذبة التي تتكون فيها الأحكام، أي التلاعب بسرعة " التلاعب بالبيئة المعرفية " بل تشمل التداول وتكرار الرســائل وربط القضايا ببعضها بطريقة تفرض مسارات تفسير معينة .) 32 ( ا جديدًًا من الســلطة من منظور نقدي، يمكن القول: إن الخوارزمية تمارس شــكلًا ، أي سلطة تتدخل قبل تشكل الحكم " السلطة ما قبل الإدراكية " يسميه بعض الباحثين ا . وهذا يجعل السيطرة الخوارزمية الواعي، عبر تنظيم ما يدخل إلى مجال الرؤية أصلًا أكثر عمقًًا من الســيطرة الأيديولوجية الكلاسيكية، لأنها لا تفرض مضمونًًا بعينه بل تفرض منطق الانتقاء ذاته. لذا، فإن هذا التحول ينقل الحرب من مســتوى الصراع على الأرض إلى مســتوى الصراع على شروط إدراك الأرض. فحين ينجح الفاعل في جعل خصمه يرى الهزيمة نصرًًا، أو يرى القمع استقرارًًا، أو يرى الاحتلال حماية فإنه يكون قد حقََّق انتصارًًا إدراكيًّّا يســبق أي حسم عسكري. وهنا تتحول الخوارزمية إلى سلاح إستراتيجي لا يقل خطورة عن الصواريخ والطائرات بل يفوقها أثرًًا، لأنه يســتهدف البنية العميقة التي من خلالها يُُفهم كل عنف لاحق. . البيانات والذكاء الاصطناعي في توجيه السلوك الجماعي 2 إذا كانت الخوارزمية تمثل الأداة الإجرائية للسيطرة الإدراكية، فإن البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي يمثلان مادتها الخام وعقلها التحليلي؛ فحروب الجيل الخامس تقوم على افتراض أن السلوك الجماعي يمكن رصده ونمذجته والتنبؤ به ثم التدخل فــي توجيهه عبــر أدوات رقمية دقيقة. وهذا ما يجعل الحــرب تتحول من مواجهة عسكرية إلى عملية إدارة اجتماعية-نفسية واسعة النطاق.
27 |
يرى فيكتور ماير-شــونبرغر وكينيث كوكير أن البيانات الضخمة لا تغيِِّر فقط حجم المعلومــات المتاحة بل تغير منطق المعرفة ذاته، عبر الانتقال من البحث عن العلل )، وهذا يعني 33 إلى الاكتفاء بالارتباطات الإحصائية القادرة على التنبؤ بالســلوك ( أن الفعل السياســي والعسكري لم يعد ينتظر الفهم العميق للدوافع بل يكتفي بقدرة الخوارزمية على التنبؤ بما سيحدث إذا تم إدخال محفز معين. ؛ حيث " الحرب التنبؤية " في المجال العسكري، تُُستخدم هذه المقاربة في ما يسمى تُُحلل البيانات السلوكية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية لاستخراج أنماط يمكن بواســطتها توقع مناطق التوتر أو احتمالات الاحتجاج أو قابلية فئة معينة للتعبئة أو الإحباط. وقد أشار شون غورو إلى أن الجيوش المعاصرة بدأت تعتمد على نماذج .) 34 تنبؤية قائمة على الذكاء الاصطناعي لتوجيه عملياتها النفسية والإعلامية ( يقوم على تحويل التجربة " رأسمالية المراقبة " وتشــير شوشانا زوبوف إلى أن منطق الإنســانية إلى مادة خام للتحليل والتنبؤ والتحكم، وأن هذا المنطق لا يقتصر على ). وعندما يُُدمج هــذا المنطق داخل 35 الســوق بــل يمتد إلى السياســة والأمــن ( إســتراتيجيات الحرب، فإن المجتمع كله يتحــول إلى مجال رصد وتجريب؛ حيث يُُقاس أثر كل رســالة وكل صورة وكل حدث على الســلوك الجماعي ثم يُُعاد ضبط التدخلات بناء على النتائج. ويرى ألكســندر غالواي أن الســيطرة في العصر الرقمي لم تعد تعمل بمنطق المنع ، أي ضبط المســارات الممكنة داخل " التحكم البروتوكولي " المباشــر، بل بمنطــق )، وهذا 36 النظام بحيث يســلك الأفراد طرقًًا معينة دون أن يشعروا بأنهم مُُجبرون ( ينطبق تمامًًا على توجيه السلوك في حروب الجيل الخامس؛ حيث لا يُُفرض موقف سياسي بالقوة بل تُُصمم البيئة الرقمية بحيث يصبح موقف معين هو الأسهل والأكثر ا ًا. ا والأكثر قبول تداول ًا من زاوية نقدية، يطرح هذا التحول إشكاليات عميقة؛ فحين يصبح السلوك الجماعي موضوعًًا للهندســة الخوارزمية، فإن السياســة تتحول من مجــال للنقاش والصراع المفتــوح إلى مجال للإدارة التقنيــة. ويصبح المواطن هدفًًا لعمليات ضبط خفية لا يملك أدوات معرفية كافية لإدراكها أو مقاومتها.
| 28
وعليــه، إن أخطر ما في توظيف البيانات والذكاء الاصطناعي في الحرب ليس فقط قدرتها على التنبؤ بالسلوك، بل قدرتها على تحويل هذا التنبؤ إلى أداة تدخل استباقي، بحيث يُُعاد تشكيل الواقع بما ينسجم مع النموذج الحسابي، لا العكس. وهنا تتحول الخوارزمية من أداة لفهم الواقع إلى أداة لفرض واقع مطابق لتوقعاتها. وهذا يعني أن حروب الجيل الخامس لا تستهدف فقط كسب معركة معينة بل تستهدف إعادة برمجة المجال الاجتماعي نفسه، بحيث يصبح أكثر قابلية للتوجيه وأقل قدرة على إنتاج مقاومة غير متوقعة. إنها حرب على العفوية وعلى إمكان المفاجأة وعلى قدرة الجماعات على إنتاج مسارات تاريخية لا تخضع للنمذجة المسبقة. وبذلــك، فإن الانتقال من الحرب المادية إلــى الحرب الإدراكية والخوارزمية يمثل لحظــة مفصلية في تاريخ الصراع: لحظة يصبح فيها التحكم في المعنى وفي التوقع وفي السلوك أكثر حسمًًا من التحكم في الأرض ذاتها. وهي لحظة لا يمكن فهمها إلا في ضوء التحول الفلسفي الذي نزع المركزية عن الإنسان، وجعل الفاعلية نتاجًًا شبكيًّّا تتقاطع فيه الإرادات البشرية مع قدرات حسابية قادرة على التدخل في صميم الوعي الاجتماعي. ثانيًًا: التحولات السياسية والقانونية للفاعلية الخوارزمية إذا كان الانتقــال مــن الحــرب المادية إلى الحرب الإدراكيــة والخوارزمية قد أعاد تشــكيل أدوات الصــراع وفضاءاته فإن الأثر الأعمق لهــذا التحول يتجلى في إعادة بناء الأسس السياسية والقانونية التي يقوم عليها النظام الدولي ذاته؛ فحروب الجيل الخامس لا تغيِِّر فقط كيفية إدارة الصراع بل تغير معنى الســيادة وحدود الشــرعية وطبيعة القرار ومنطق المسؤولية. إننا أمام تحول لا يمس سطح الممارسة السياسية ا ًا بل بِِنيتها العميقة؛ حيث لم تعد الدولة الفاعل السيادي الوحيد، ولم يعد القرار فعل ا للتحديد داخل إطار يمكن إسناده إلى مركز واحد ولم تعد المسؤولية مفهومًًا قابلًا قانوني كلاسيكي. فالفاعليــة الخوارزميــة، بوصفها فاعلية موزعة بين بشــر وأنظمة تقنية وخوارزميات ا بنيويًّّا في التصورات التي قامت عليها الحداثة السياســية: وبيانــات، تُُحدث اختلالًا تصور السيادة بوصفها احتكارًًا للقرار، وتصور المسؤولية بوصفها قابلة للإسناد إلى
29 |
فاعل محدد، وتصور الشرعية بوصفها نتاج ًًا لإرادة سياسية يمكن تتبع مسار تشكلها. ومع دخول الخوارزميات في قلب إنتاج القرار لم يعد الفعل السياســي والعســكري نتيجة إرادة واعية يمكن مساءلتها بسهولة بل نتيجة عملية مركبة تتشابك فيها حسابات آلية وترشيحات خوارزمية وتدخلات بشرية جزئية في سلسلة لا يمكن تفكيكها دون خسارة معناها. ومن هنا، يشــتغل هذا القسم على تحليل التحولات السياسية والقانونية التي تُُنتجها الفاعلية الخوارزمية، من خلال محورين أساسيين: أولهما: أزمة المسؤولية والمحاسبة في ظل القرار الآلي والموزع؛ وثانيهما: إعادة تعريف الســيادة والشــرعية في سياق الحرب الشــبكية؛ حيث تتآكل الحدود التقليدية بين الداخل والخارج، وبين الســلم شك ََّل مفهوم المسؤولية حجر الزاوية في الفلسفة الأخلاقية والقانونية الحديثة؛ حيث يفترض وجود فاعل واعٍٍ، ح ُُرٍٍّ، قادر على الاختيار، يمكن إسناد الفعل إليه، ومساءلته عنه أخلاقيًّّا وقانونيًّّا. وقد تأسس هذا المفهوم على تصور الذات بوصفها مركز القرار، كمــا عند كانط الذي ربط المســؤولية بالقدرة على الفعل وفق قانون أخلاقي يعقله ). وفي الفكر القانوني الحديث، يقوم مبدأ المســؤولية الجنائية 37 الفاعل ويختاره ( والسياسية على إمكان إسناد الفعل إلى فاعل محدد يملك السيطرة على شروط فعله. غيــر أن الفاعلية الخوارزمية تقو ِِّض هذا الأســاس من جــذوره، فالقرار في حروب الجيــل الخامــس لا يصدر عــن ذات واحدة، بل يتكون عبر سلســلة من العمليات الحســابية والترشــيحات الخوارزمية والتدخلات البشرية المتقطعة؛ ما يرفع احتمالية للوقــوع في أخطــاء النظام الناتجة عن عدم القدرة علــى التنبؤ والموثوقية بمآلات المعالجة الخوارزمية للبيانات وتحديثها بشكل مستمر. ومــن منظور واقعي، تكشــف إحدى الحالات المعاصــرة المرتبطة بتوظيف الذكاء المعرفة " الاصطناعــي في أنظمة الاســتهداف عن اخــتلال بنيوي في العلاقــة بين والواقع الديناميكي لســاحات الصراع؛ حيث تشــير التقديرات إلى أن " الخوارزمية في خضم القصف الأميركي-الإسرائيلي على " الشجرة الطيبة " حادثة قصف مدرسة والحرب، وبين الفعل السيادي والفعل التقني العابر للدول. . أزمة المسؤولية والمحاسبة في عصر القرار الآلي 1
| 30
، والتي نُُفِِّذت استنادًًا إلى قاعدة بيانات استخباراتية غير مُُحد ََّثة استمرت 2026 إيران، .) 38 في تصنيف الموقع هدفًًا عسكريًًّا رغم تحوله الوظيفي منذ سنوات ( " القصور الزمني للخوارزميات " تمثل هذه الواقعة نموذج ًًا تحليليًّّا لما يمكن توصيفه بـ )؛ حيث تعجز النماذج الحســابية عن اســتيعاب التحولات Temporal Data Lag ( الســياقية المتســارعة، نتيجة اعتمادها على بيانات متأخرة زمنيًّّا أو غير محد ََّثة، غير أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في القرار الآلي بحد ذاته بل في البنية الإبستمولوجية بقدر ما تُُعيــد إنتاج افتراضات كامنة في " تفكر " التــي تُُغذ ِِّيــه؛ إذ إن الخوارزمية لا بياناتها؛ ما يجعل الخطأ الكامن فيها خطًًا بنيويًّّا لا عرضيًّّا. ) Yuval Abraham كما تشــير الدراســة الاســتقصائية التي أعد ََّها يوفال أبراهــام ( )، القائم على الذكاء Lavender )، إلى أن نظام ( 972Magazine +( والمنشــورة في الاصطناعي استُُخدم في قطاع غزة أداة مركزية في إنتاج قوائم أهداف بشرية اعتمادًًا على تحليل كميات ضخمة من البيانات الاستخباراتية؛ حيث عمل النظام على تصنيف عشرات الآلاف من الأفراد مشتبهًًا بانتمائهم إلى تنظيمات مسلحة ضمن زمن قياسي ). وتكشف هذه الحالة عن تحول نوعي في 39 وبمستوى محدود من التدقيق البشري( طبيعة اتخاذ القرار العسكري؛ إذ لم يعد قائمًًا على التقييم البشري المتدرج، بل على " تضخيم الخطأ " مخرجات خوارزمية عالية الســرعة؛ الأمر الذي يرفع من احتمالية نتيجة الاعتماد على بيانات قد تكون غير مكتملة أو غير دقيقة. لوصــف هذا الوضع؛ حيث توجد " فجوة المســؤولية " وقــد أطلق ماتياس مصطلح أفعــال لهــا آثار خطيرة، لكن لا يوجد فاعل يمكن تحميله المســؤولية الكاملة عنها .) 40 ( في المجال العســكري، تتجســد هذه الفجوة بوضوح في اســتخدام أنظمة الدعم الخوارزمي للقرار، والطائرات المســيرة شــبه الذاتية، وأنظمة التتبع والاســتهداف الآلــي. فــإذا قامت خوارزمية بتصنيف هدف ما علــى أنه تهديد واعتمد القائد على هذا التصنيف ثم تبين لاحقًًا أن الهدف كان مدنيًّّا، فمن المسؤول: هل هو المبرمج الذي صم ََّم الخوارزمية أم القائد الذي اعتمد على مخرجاتها أم المؤسسة التي قررت استخدامها أم النظام التقني ذاته؟
31 |
؛ حيث يتوزع الفعل " تفكك الإســناد " يــرى لــوكاس إنغلهارت أن هذا الوضع يُُنتج بين فاعلين جزئيين بحيث لا يمكن تحميل أي منهم المسؤولية الكاملة دون تعسف )، فالمبرمــج قد يد ََّعي أنه لم يتوقع هذا الســياق، والقائد قد يدعي أنه 41 تحليلــي ( . " خلل تقني " ، والمؤسسة قد تحيل الخطأ إلى " موضوعية " اعتمد على أداة وتشــير هيلين نييســنباوم إلى أن الخوارزميات تُُقد ََّم غالبًًا بوصفها محايدة، في حين أنها مشــبعة بافتراضات معيارية حول ما يُُعد خطرًًا، وما يُُعد طبيعيًّّا، وما يُُعد شــاذًّّا ). وعندما تُُستخدم هذه الخوارزميات في المجال العسكري فإن تحيزاتها لا تكون 43 ( مجرد أخطاء تقنية بل قرارات سياسية مقنعة بلغة رياضية. ويرى بيتر آسكرســون أن الأزمة ليســت تقنية فقط بل أنطولوجية لأنها تمس مفهوم الفاعل ذاته، الذي لم يعد وحدة متماســكة يمكن إســناد الفعل إليها، بل شــبكة من )، وهذا يعني أن 44 الفاعليــن الجزئيين الذين يتوزع بينهم الفعل دون مركز واضح ( القانون والأخلاق، كما صيغتا في عصر الفاعلية الإنسانية المركزية، لم تعودا قادرتين على استيعاب هذا النمط من الفعل. من منظور نقدي، يمكن القول: إن أخطر ما في هذه الأزمة هو إمكان توظيفها سياسيًّّا لتبديد المسؤولية، فالتعقيد التقني يصبح ذريعة جاهزة لتخفيف العبء الأخلاقي عن " مســتخدمين " الفاعلين البشــريين، الذيــن يمكنهم دائمًًا الادعاء بأنهم كانوا مجرد لنظام معقد لم يملكوا الســيطرة الكاملة عليــه، وهكذا تتحول الفاعلية الموزعة من أداة تحليلية إلى أداة تبريرية. وعلــى ما تقدم، فــإن تجاوز هذه الأزمة يقتضي إعادة بناء مفهوم المســؤولية على أســاس شبكي، لا فردي صرف، بحيث تُُحم ََّل المســؤولية لمجموع المنظومة التي أنتجت الفعل، من تصميم الخوارزمية إلى جمع البيانات إلى اتخاذ قرار استخدامها إلى تفعيلها في سياق معين. غير أن هذا الحل، على أهميته النظرية، يصطدم بعقبات بلا " شبكية " قانونية هائلة، لأن الأنظمة القانونية القائمة لا تعترف بسهولة بمسؤولية فاعل محدد. وهــذا يعنــي أن حروب الجيــل الخامس تضعنا أمام مفارقة خطيــرة: كلما ازدادت قدرة الأنظمة التقنية على إنتاج أفعال معقدة تراجعت قدرتنا على تحديد من يتحمل
| 32
المسؤولية عنها؛ وهي مفارقة تهدد بإفراغ القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي العــام من مضمونهما المعياري، إذا لم يُُعاد بناؤهما على أســس جديدة تســتوعب الفاعلية الخوارزمية. . إعادة تعريف السيادة والشرعية في ظل الحرب الشبكية 2 إذا كانت المســؤولية تمس البعد الأخلاقي والقانوني للفعل فإن الســيادة والشرعية تمسان بعده السياسي العميق. فقد تأسس النظام الدولي الحديث، منذ صلح وستفاليا، على تصور السيادة بوصفها سلطة عليا داخل إقليم محدد، تحتكر القرار وتملك حق اســتخدام العنف المشروع داخليًّّا وخارجيًّّا. وقد صاغ جان بودان هذا التصور حين .) 45 ( " السلطة المطلقة والدائمة في الدولة " عرََّف السيادة بأنها غيــر أن حروب الجيل الخامس، بوصفها حروبًًا شــبكية، تقــو ِِّض هذا التصور من أساســه؛ فهــي لا تُُخاض في إقليم محدد، ولا تُُمــارََس عبر جيوش نظامية فقط بل عبر شــبكات رقمية ومنصات إعلامية وهجمات ســيبرانية وتدخلات إدراكية عابرة للحدود. ويشــير مانويل كاســتلز إلى أن السلطة في العصر الشبكي لم تعد متمركزة فــي الدولة فقط بل موزعة بين فاعليــن متعددين يتحكمون في تدفقات المعلومات .) 46 والرموز ( في هذا الســياق، تصبح الســيادة مهددة من جهتين: من جهة الفاعلين غير الدولتيين الذيــن يملكــون أدوات رقمية قادرة على التأثير فــي مجتمعات بأكملها؛ ومن جهة الشــركات التقنية العملاقــة التي تتحكم في البنية التحتيــة للفضاء الرقمي، وتملك قدرة هائلة على توجيه الرأي العام، وعلى التحكم في البيانات التي أصبحت موردًًا إستراتيجي ًّّا. ويرى ستيفن كراسنر أن السيادة كانت دائمًًا مفهومًًا إشكاليًّّا مليئًًا بالاستثناءات لكن " سيدة " )؛ فالدولة قد تكون 47 العصر الرقمي يجعل هذا الإشكال بنيويًّّا لا عرضيًّّا ( على أراضيها، لكنها ليست سيدة على تدفقات البيانات التي تعبُُرُُها ولا على المنصات التي تشك ِِّل وعي مواطنيها. ا سياسيًّّا لسلطة معينة فإنها هي الأخرى أما الشــرعية، التي كانت تُُفهم بوصفها قبولًا تتأثر جذريًّّا بالحرب الشبكية. ففي السياق الكلاسيكي، تُُبنى الشرعية عبر مؤسسات
33 |
وانتخابات وخطاب سياسي يمكن تتبع مساره. أما في سياق الحرب الإدراكية، فإن الشــرعية يمكن هندســتها رقميًّّا عبر حملات منظمة وخوارزميات ترشيح وتلاعب والقبول " الحر " بتدفقــات المعلومــات، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين القبول المُُنتج خوارزميًّّا. تشير شوشانا زوبوف إلى أن السيطرة على السلوك لم تعد تحتاج إلى قمع مباشر بل ا ًا إلى تصميم بيئات رقمية تجعل أنماطًًا معينة من التفكير والتصرف هي الأكثر احتمال ). وعندما تُُســتخدم هذه القدرة في الصراع السياســي والعسكري، فإن الشرعية 48 ( تتحول من تعبير عن إرادة جماعية إلى نتيجة عملية هندسة إدراكية. لــذا، يمكن القول: إن هذا التحــول يضع الديمقراطية ذاتها أمام تحد وجودي، لأن جوهرهــا يقوم علــى افتراض أن المواطنين يتخذون مواقفهــم بناء على نقاش عام مفتوح لا بناء على توجيه خوارزمي خفي. فإذا أصبح الرأي العام نتاجًًا لسلسلة من يصبح إشــكاليًّّا من " إرادة شــعبية " التدخلات الرقمية غير المرئية، فإن الحديث عن الناحية المعرفية والأخلاقية. أما على مستوى النظام الدولي، فإن الحرب الشبكية تخلق وضعًًا تتآكل فيه الحدود بين الحرب والسلم. فالهجمات السيبرانية، وحملات التضليل، والتدخلات الإدراكية، يمكن أن تُُمارََس في زمن يُُفترض أنه زمن سلم، دون أن تُُعد حربًًا بالمعنى القانوني التي تتحرك فيها الدول " المنطقة الرمادية " التقليدي؛ وهذا ما يسميه بعض الباحثين .) 49 والفاعلون دون تجاوز واضح لخط الحرب المعلن ( ، " حالة الطوارئ " ، و " إعلان الحرب " وبالتالــي، فإن هذا الوضع يفرغ مفاهيم مثــل من محتواها العملي، لأن الصراع يصبح دائمًًا، لكنه غير مُُعلن، " الدفاع الشــرعي " و وموزعًًا عبر فضاءات لا يعترف بها القانون الدولي الكلاسيكي بسهولة. وهكذا، فإن الفاعلية الخوارزمية لا تعيد فقط تشكيل أدوات الحرب، بل تعيد كتابة القواعد السياســية والقانونية التي حكمت النظام الدولي منذ قرون. فهي تُُدخلنا في عصر سيادة هش ََّة، وشرعية مُُهندََسََة، ومسؤولية ملتبِِسة؛ حيث لم يعد ممكنًًا الاعتماد على المفاهيم الكلاسيكية دون إعادة نظر جذرية في أسسها الفلسفية والمعرفية.
| 34
خاتمة تُُظهر هذه الدراســة في ضوء تحليلها النظري والمنهجي لتحولات الصراع المعاصر في ســياق ما بعد الإنســانية، أن الحرب لم تعد حدثًًا إنســانيًّّا صرفًًا يمكن ردُُّه إلى إرادة ســيادية أو قرار سياســي مركزي بل غدت ظاهرة شــبكية هجينة تتداخل فيها الخوارزميات والأنظمة الذكية والبنى التكنولوجية مع الفاعلين البشريين ضمن منظومة معقدة تتجاوز ثنائية الفاعل/الأداة. إن هذا التحول البنيوي لا يمثل مجرد تطور تقني في أدوات القتال بل يعكس انقلابًًا عميقًًا في منطق الفعل الحربي ذاته، وفي الأسس الفلسفية والقانونية التي بُُني عليها تصور الحرب في الحداثة السياسية. لقد بيََّنت الدراسة أن مقاربات الحداثة القائمة على مركزية الإنسان والعقل والسيادة باتت عاجزة عن تفســير أنماط الصراع الجديدة التي تتســم باللامركزية والتســييل والتشــابك الشــبكي بين البشــر والآلات والأنظمة الذكية. فالحرب في إطار ما بعد الإنسانية لم تعد تُُدار حصريًّّا من خلال قرار سيادي واعٍٍ، بل تُُنتََج داخل منظومات تقنية-سياســية تشتغل بمنطق الاحتمال والخوارزمية والتفاعل الذاتي بما يفضي إلى تآكل مفهوم المســؤولية الكلاســيكية، وإلى ضبابية متزايدة في تحديد الفاعل والنية وسلسلة القرار. كما كشــفت الدراســة أن هذا التحول يفرض إعادة نظر جذرية في البنى المعيارية للقانون الدولي الإنســاني، الذي تأســس تاريخيًّّا على فرضية الفاعل الإنساني القادر على التمييز والتقدير وتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية. ففي ظل الأنظمة ذاتية التشــغيل والطائرات غيــر المأهولة والخوارزميات القتالية، يصبح مبدأ المســؤولية الفردية ومبدأ التناســب ومبدأ التمييز مهددًًا بالتفريغ من مضمونه العملي؛ إذ تنتقل القرارات الحاسمة من وعي الإنسان إلى منطق البرمجة والاحتمال الحسابي. وعليه، فإن ما بعد الإنسانية لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد إطار وصفي لتطور ا أنطولوجيًّّا ومعرفيًّّا يمس طبيعة الفاعل وطبيعة القرار وطبيعة تقني، بل بوصفها تحولًا العنــف ذاته. وهــذا ما يجعل من الضروري الانتقال من مقاربات قانونية وفلســفية تقليدية إلى نماذج تحليلية جديدة تستوعب هذا التشابك بين الإنساني وغير الإنساني داخل بنية الصراع المعاصر.
35 |
ا : النتائج أول ًا يـ َن أن الحــرب في الســياق المعاصر لم تعد تُُفهم من خلال نموذج الســيادة � . تب 1 الكلاســيكي بل من خلال نموذج شــبكي هجين تتداخل فيه الفواعل البشــرية مع الأنظمة الذكية والبنى التكنولوجية بما يغيِِّر من طبيعة القرار الحربي ومسؤوليته. . أثبتت الدراســة أن مفهوم الفاعل الحربي يشــهد تفتتًًا بنيويًّّا؛ إذ لم يعد محصورًًا 2 في الدولة أو القائد العسكري بل توزع بين مبرمج ومهندس وخوارزمية ونظام ذاتي التشغيل؛ ما يخلق فراغًًا مفاهيميًّّا في تحديد المسؤولية القانونية والأخلاقية. . أظهرت الدراسة أن أدوات الحرب الذكية لا تمثل مجرد وسائل محايدة بل تشارك 3 ا مشــاركًًا في تشــكيل نتائج الصراع لا في إنتاج الفعل الحربي ذاته بما يجعلها فاعلًا مجرد أداة في يد الإنسان. . تبيــن أن القانــون الدولي الإنســاني بصيغته الحالية يعانــي من قصور بنيوي في 4 اســتيعاب منطق الحرب الخوارزمية لكونه يفترض وجود فاعل إنســاني قادر على الإدراك والتمييز وتحمل المسؤولية المباشرة. . كشــفت الدراســة أن مبدأي التناســب والتمييز، وهما من أعمدة القانون الدولي 5 الإنســاني، يتعرضان لإعادة تعريف ضمنية في ظل الأنظمة الذاتية التشــغيل؛ حيث يُُعاد ترجمتهما إلى معادلات احتمالية لا إلى تقدير أخلاقي واعٍٍ. . أظهرت الدراســة أن ما بعد الإنســانية ليست اتجاهًًا فكريًًّا هامشيًّّا بل تمثل إطارًًا 6 تفســيريًّّا ضروريًّّا لفهم تحــولات الصراع، لأنها تعيد تعريف العلاقة بين الإنســان والتقنية والعنف والقرار السياسي. ثانيًًا: التوصيات . ضرورة تطوير نظرية قانونية جديدة للمســؤولية في ســياق الحرب الذكية، تقوم 1 ، بحيث لا تُُحصر المسؤولية في فرد أو جهة واحدة " المسؤولية الشبكية " على مفهوم بل تُُوز ََّع على سلســلة الفاعلين البشــريين وغير البشريين المشاركين في إنتاج القرار الحربي.
Page 1 Page 2 Page 3 Page 4 Page 5 Page 6 Page 7 Page 8 Page 9 Page 10 Page 11 Page 12 Page 13 Page 14 Page 15 Page 16 Page 17 Page 18 Page 19 Page 20 Page 21 Page 22 Page 23 Page 24 Page 25 Page 26 Page 27 Page 28 Page 29 Page 30 Page 31 Page 32 Page 33 Page 34 Page 35 Page 36 Page 37 Page 38 Page 39 Page 40 Page 41 Page 42 Page 43 Page 44 Page 45 Page 46 Page 47 Page 48 Page 49 Page 50 Page 51 Page 52 Page 53 Page 54 Page 55 Page 56 Page 57 Page 58 Page 59 Page 60 Page 61 Page 62 Page 63 Page 64 Page 65 Page 66 Page 67 Page 68 Page 69 Page 70 Page 71 Page 72 Page 73 Page 74 Page 75 Page 76 Page 77 Page 78 Page 79 Page 80 Page 81 Page 82 Page 83 Page 84 Page 85 Page 86 Page 87 Page 88 Page 89 Page 90 Page 91 Page 92 Page 93 Page 94 Page 95 Page 96 Page 97 Page 98 Page 99 Page 100 Page 101 Page 102 Page 103 Page 104 Page 105 Page 106 Page 107 Page 108 Page 109 Page 110 Page 111 Page 112 Page 113 Page 114 Page 115 Page 116 Page 117 Page 118 Page 119 Page 120 Page 121 Page 122 Page 123 Page 124 Page 125 Page 126 Page 127 Page 128 Page 129 Page 130 Page 131 Page 132 Page 133 Page 134 Page 135 Page 136 Page 137 Page 138 Page 139 Page 140 Page 141 Page 142 Page 143 Page 144 Page 145 Page 146 Page 147 Page 148 Page 149 Page 150 Page 151 Page 152 Page 153 Page 154 Page 155 Page 156 Page 157 Page 158 Page 159 Page 160 Page 161 Page 162 Page 163 Page 164 Page 165 Page 166 Page 167 Page 168 Page 169 Page 170 Page 171 Page 172 Page 173 Page 174 Page 175 Page 176 Page 177 Page 178 Page 179 Page 180 Page 181 Page 182 Page 183 Page 184 Page 185 Page 186 Page 187 Page 188 Page 189 Page 190 Page 191 Page 192 Page 193 Page 194 Page 195 Page 196 Page 197 Page 198 Page 199 Page 200Made with FlippingBook Online newsletter