لباب-العدد 32

يبحث الكتاب معضلة الفراغ الاستراتيجي والتجزئة (1971- 2018)) فيما يقوم بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من علاقات قبل إنشاء المجلس وبعد تأسيسه. كما يتناول مسارات التعاون والصراع في تلك العلاقات، وتطورها خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، ومطلع الألفية الثالثة، وكذلك العوامل المحلية والإقليمية والدولية التي أثَّرت وتؤثر فيها سلبيًّا أو إيجابيًّا. ويسعى الكتاب لمؤلفه، الدكتور محمد صالح المسفر، بصفة عامة إلى محاولة فهم العلاقات الخليجية-الخليجية وتقييمها في إطار التداخل بينها وبين السياسات الإقليمية والدولية ودراسة اتجاهاتها والبحث في مصير الدول الخليجية.

L U B A B           2026  / €‚ - 32   - †  †‡

      .    .   .   .    . €€ ‚ € . ƒ „ †  ‡ . ˆ ‰ƒ . Š ‹ .   ŒŽ‘ ’“‘   .    ” • ..          –“  —˜†™ ’š ’   —Ž  ›œ Œ 

دراسات وأبحاث

Studies and Research

Al-Anoud Ahmed Al-Thani State and Status under Sheikh Hamad bin Khalifa Al Thani: A Reading of the Legacy of Qatar’s Transformation Ali Hijazi The Limits of Power Between Iran and Israel: Comparing Patterns of Geographical Expansion After the Wars of 2025 and 2026

العنود أحمد آل ثاني الدولة والمكانة في عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني: قراءة في إرث التحول القطري

١٣

علي حجازي حدود القوة بين إيران وإسرائيل .. مقارنة في أنماط التوسع الجغرافي 2026 و 2025 بعد حربََي

41

ناجي أبي عاد الأمن الاقتصادي الخليجي في : تحديات الطاقة 2026 ظل حرب والممرات

Naji Abi-Aad Gulf Economic Security amid the 2026 War: Energy and Chokepoint Challenges

81

Saleh Al-Naami "Permanent Security" as the Guiding Principle for the Reshaping of Israel's National Security Strategy after October 7

صالح النعامي "الأمن الدائم" موج ِّّه ًًا لإعادة تشكيل إستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر

115

Hamid Belghit China's Image in the Middle East: Between Self-Definition and the Perception of the Other

حميد بلغيت صورة الصين في الشرق الأوسط: بين تعريف الذات ونظرة الآخر

153

باسل رجوب النمذجة المناخية الذكية والوقاية من النزاعات المستقبلية على الموارد

Basel Rjoob Smart Climate Modeling and the Prevention of Future Conflicts over Resources

177

Follow-ups

متابعات مهند عبد الواحد النداوي

Muhanned Abdulwahid Alnedawi The Role of the African Union in Combating Corruption: Mechanisms, Challenges and Opportunities

دور الاتحاد الإفريقي في مكافحة الفساد: الآليات والتحديات والفرص

213

نزار الفراوي الجغرافيا السياسية للمضايق: رهانات السيطرة على الممرات الإستراتيجية

Nizar Lafraoui The Geopolitics of Straits: The Stakes of Controlling Strategic Passages

237

5 |

افتتاحية العدد

الخليج وتحولات البيئة الإستراتيجية يشــهد العالم تحولات متســارعة تعيد تشكيل البيئة الإســتراتيجية التي تتحرك فيها الدول، مع عودة الجغرافيا والمضائق والطاقة إلى صدارة حســابات الأمن، وتصاعد أثر التكنولوجيا والمعرفة والمؤسســات في صناعة المكانة والنفوذ. وفي خضم هذه التحولات، لم يعد مقدار ما تملكه الدول من موارد القوة كافيًًا لتحديد وزنها، بقدر ما أصبحت قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى أمن ومكانة وتأثير قابل للاستمرار. فالثروة لا تضمن وحدها أمنًًا اقتصاديًًّا، والتفوق العسكري لا يقود بالضرورة إلى حسم إستراتيجي، والموقع الجغرافي قد يكون مصدر قوة بقدر ما يكون مصدر انكشاف، فيما تتزايد أهمية كفاءة المؤسســات وشــبكات العلاقات والقدرة على التكيف مع الأزمات. ويقف الخليج في قلب هذه التحولات بما يملكه من ثروة وموقع ومكانة، وبما يحيط به من صراعات وتفاعلات تعيد تشكيل بيئته الإستراتيجية. كانت من أكثر الاختبارات حدة لهذه البيئة الجديدة؛ ففي دراسة 2026 ولعل حرب ، " : تحديــات الطاقة والممرات 2026 الأمــن الاقتصــادي الخليجي في ظل حرب " تُُبحــث التداعيــات الإســتراتيجية والاقتصاديــة للحرب على أمــن الطاقة في دول قـ ًا من مفارقة امتلاك المنطقة احتياطيــات ضخمة من النفط والغاز، � الخليــج، انطلا واعتماد جانب رئيســي من صادراتها في الوقت نفســه على مضائق بحرية محدودة ومعرضــة للمخاطــر، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب. وتبيِِّن الدراســة أن اضطراب تدفقات الطاقة لا يتطلب إغلاق هذه المضائق بالكامل؛ إذ يمكن للهجمات بالصواريخ والمسيََّرات والألغام، وارتفاع تكاليف التأمين، وتردد شركات الشحن، أن ا واســعًًا تمتد آثاره إلى الإيرادات العامة والاســتقرار المالي وسلاسل تُُحدث تعطيلًا الإمداد والأســواق العالمية. ومن هنا، تدعو الدراســة إلى توسيع مفهوم أمن الطاقة الخليجي ليشــمل، إلى جانب الإنتاج، أمن التصدير والنقل والتخزين والوصول إلى الأسواق، مع تنويع مسارات التصدير وتعزيز التكامل الخليجي وحماية البنية التحتية ورفع القدرة على مواجهة الأزمات.

| 6

وإذا كانت الحرب قد كشــفت هشاشــة الاعتماد على الموارد ما لم تُُح ْْم مســاراتها ويُُؤمََّن وصولها إلى الأسواق، فإن التجربة القطرية تقدم وجهًًا آخر للعلاقة بين الثروة الدولة والمكانة في عهد الشــيخ حمد بن خليفة آل ثاني: قراءة " والقدرة؛ فدراســة ، 2013 إلى 1995 تتناول تجربة قطــر خلال الفترة من " فــي إرث التحــول القطري كـِزة على العلاقة بين بناء الدولة وإدارة الثروة وتعزيز المكانة الإقليمية والدولية. � مر وترى أن تطوير موارد الغاز شــك ََّل مرتكزًًا ماديًًّا للتحول، لكنه اقترن ببناء القدرات المؤسســية والتنموية وتطوير التعليم والصحة والبنية التحتية والأصول السيادية، إلى جانب توظيف الدبلوماسية والإعلام والاستثمار والثقافة والرياضة في تعزيز الحضور " مرحلة تأسيس ثانية " الخارجي لقطر. وتخلص الدراسة إلى أن تلك المرحلة مثََّلت للدولة القطرية الحديثة، وأن استمرار المؤسسات والقدرات والخيارات الإستراتيجية يؤشر إلى انتقال جانب مهم من هذا الإرث من تجربة مرتبطة بالقيادة 2013 بعد عام إلى إرث مؤسسي وإستراتيجي للدولة. ومن الخليج، تتسع دائرة النظر إلى البيئة الإقليمية التي أعادت فيها حروب السنوات حدود القوة بين إيران " الأخيرة الجغرافيا إلى صدارة حسابات القوة. وتبحث دراسة أثر الجغرافيا في تشــكيل الصراع بين إيران "2026 و 2025 ب ـ َي � وإســرائيل بعد حر وإســرائيل، والحدود التي تضعها أمام ما تســتطيع القوة العســكرية تحقيقه. وتقرأ التحولات الإقليمية من خلال ثلاث خرائط متداخلة، هي خريطة الخوف الإسرائيلي، وخريطة العمق الإيراني، وخريطة الفراغ العربي التي تتحول فيها الدول الضعيفة أو محدودة السيادة إلى ساحات للصراع. وترى الدراسة أن إيران تتجه إلى إعادة توزيع أدوات نفوذها وتعزيز الاعتماد على الصواريخ والمسيََّرات والقدرات السيبرانية، في حين تســعى إســرائيل إلى تثبيت مكاسبها العســكرية وتحويلها إلى وقائع جغرافية وأمنية. وتخلص إلى أن مســتقبل التنافس سيتوقف على قدرة الأطراف على تحويل الجغرافيا إلى ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للاستمرار، وعلى قدرة الدول العربية على حماية سيادتها وتحديد مصالحها وحدودها ومضائقها. ا عميقًًا منذ السابع وفي قلب هذا الصراع، شهد مفهوم الأمن الإسرائيلي نفسه تحولًا موج ِِّهًًا لإعادة " الأمــن الدائم "" . وتتناول دراســة 2023 من أكتوبر/تشــرين الأول ما طرأ على " تشــكيل إســتراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي بعد الســابع من أكتوبر

7 |

، بوصف ذلك " طوفان الأقصى " إســتراتيجية الأمن القومي الإســرائيلي منذ عملية التاريخ منعطفًًا دفع إســرائيل إلى مراجعة عدد من المرتكزات التي حكمت عقيدتها ، وتراجع مركزية الردع والإنذار " الأمن الدائم " الأمنية. وترصد الدراسة صعود مفهوم والمســارات السياسية، مقابل اتساع الاعتماد على القوة العسكرية والسعي إلى إزالة مصادر التهديد القائمة والمحتملة. غير أن ما تحقق من مكاسب عملياتية وتكتيكية، وفق ما تخلص إليه الدراســة، لم يؤد إلى بلوغ الأهداف الإســتراتيجية المعلنة، في مقابل ارتفاع الكلفة العســكرية والاقتصادية والاجتماعية، واتســاع البيئة التهديدية، وتضرر المكانة الدولية وفرص توسيع اتفاقات التطبيع. وإذا كانــت هــذه الصراعات قد أعــادت الجغرافيا والحدود إلى قلب الحســابات الإقليميــة، فإنهــا أعادت معها المضائق إلى موقعهــا القديم بوصفها عُُقََدًًا تصل بين " قراءة في كتاب " الجغرافيا والتجارة والقوة. ومن هذه الزاوية، يقدم العدد في باب الجغرافيا السياســية للمضايق: رهانات السيطرة على الممرات " قراءة معمقة لكتاب ، الــذي تكتســب أطروحاته راهنية خاصة في ضــوء التطورات التي " الإســتراتيجية شــهدها مضيقــا هرمز وبــاب المندب، وما أبرزته من أثر مباشــر للمضائق في أمن الطاقة وسلاســل الإمداد والاقتصــاد العالمي. وتتناول القــراءة المكانة الاقتصادية والجيوسياســية للمضائق الدولية ودورها في حركــة التجارة والملاحة، وما تنطوي عليه من قابلية للتحول إلى بؤر للأزمات والاضطراب. كما تستعرض البدائل الممكنة عنــد تعطــل هذه المضائق وحدودها، وتلفت إلى أهمية تجاوز المقاربات التي تنظر إلــى المضائق من منظــور مصالح القوى الكبرى وحدها، وإعــادة التفكير فيها من زاوية مصالح الدول والمجتمعات المشاطئة، وإمكان تحويلها إلى مجالات للتكامل والرخاء الإقليمي. ولا تقتصر التحولات في بيئة المنطقة على الصراعات العسكرية والجغرافيا والمضائق، بل تشمل أيض ًًا تغير مواقع القوى الدولية وأنماط حضورها وتأثيرها. وفي هذا السياق، " صورة الصين في الشــرق الأوسط بين تعريف الذات ونظرة الآخر " تتناول دراســة الكيفية التي تقدم بها الصين نفسها في المنطقة، ومدى الاعتراف العربي بالسرديات التي تصوغ من خلالها هويتها ودورها الدولي. وتدرس عددًًا من السرديات الصينية المتعلقة بالنظام الدولي والخصوصية القيمية والفاعلية التنموية والنموذج السياســي،

| 8

ثــم تتتبع حضورهــا في المواقف والتصورات العربية. وتخلص إلى تنامي الاعتراف العربي بالصين خلال الســنوات الأخيرة، رســميًًّا ومجتمعيًًّا، وانتقال بعض المواقف العربية من مجرد استقبال الخطاب الصيني إلى إعادة إنتاج عدد من مفرداته وسردياته، بالتــوازي مع تنامي النظر إلى الصين بوصفها شــريكًًا اقتصاديًًّا وسياســيًًّا مهم ًًّا في المنطقة. وإلى جانب تبدل خرائط النفوذ الدولي، تتشــكل تحديات من نوع آخر عند تقاطع النمذجــة المناخية الذكية " التكنولوجيــا بالمناخ والموارد والأمن. وتبحث دراســة دور الذكاء الاصطناعي في تطوير " والوقاية من النزاعات المســتقبلية على المــوارد القدرة على التنبؤ بالنزاعات المرتبطة بالمناخ والموارد الطبيعية والوقاية منها. وتنظر ا مضاعفًًا للمخاطر، فيما تتيح تقنيات التعلم الآلي إلــى التغير المناخي بوصفه عاملًا والبيانات الضخمة والمحاكاة الاحتمالية إمكانات متقدمة للإنذار المبكر واستشراف ، مع إبراز ما تثيره " الأمن المناخي الخوارزمي " مناطق التوتر. وتقترح الدراسة مفهوم هذه التقنيات من قضايا تتعلق بحوكمة الخوارزميات والسيادة على البيانات والشفافية والعدالة في الوصول إلى المعرفة والقدرات الحاسوبية، وتدعو إلى بناء أطر قانونية وأخلاقية تضمن توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة الأمن الإنساني والعدالة البيئية. ومن القدرة على استشراف المخاطر إلى القدرة على بناء المؤسسات وإنفاذ قواعدها، دور الاتحاد الإفريقي في مكافحة الفساد: " موضوع " متابعات " يتناول العدد في باب ، مستعرض ًًا المنظومة القانونية والمؤسسية التي طورها " الآليات والتحديات والفرص الاتحــاد لمواجهة الفســاد، وفــي مقدمتها اتفاقيــة الاتحاد الإفريقي لمنع الفســاد ومكافحته ومجلس الاتحاد الإفريقي الاستشاري لمكافحة الفساد. وتبين المتابعة أن الاتحاد نجح في بناء إطار قاري متقدم نسبيًًّا، لكن فاعليته ما زالت تواجه تحديات تتعلق بتفاوت مســتوى التنفيذ بين الدول، وضعف آليات المتابعة والمساءلة، وتباين القدرات المؤسسية ومحدودية الإرادة السياسية. وفي المقابل، تبرز فرص لتعزيز هذه الجهود من خلال التعاون الإقليمي واســترداد الأصــول ومكافحة التدفقات المالية غير المشــروعة، والانتقال من بناء الأطر القانونية إلى التطبيق الفعلي على المستوى الوطني.

9 |

وفي المحصلة، تكشــف موضوعات هذا العدد أن تحولات البيئة الإســتراتيجية لا تعيــد توزيع القوة فحســب، بل تعيد تعريف معناها ومصادرهــا وحدودها. فالثروة تكتســب قيمتهــا بقدر ما يمكن حمايتها وتوظيفهــا، والجغرافيا بقدر ما يمكن إدارة مزاياهــا ومواطن انكشــافها، والتفوق العســكري بقدر ما يمكــن ترجمته إلى نتائج سياســية قابلة للاســتمرار، فيما تفتح المعرفة والتكنولوجيا والمؤسســات مجالات جديــدة للفعل والتأثيــر. وفي قلب هذه التحولات، يواجه الخليج تحدي تحويل ما يملكه من ثروة وموقع ومكانة إلى قدرة أكثر مرونة على حماية مصالحه، وامتصاص الصدمات، وتوســيع هامش حركته. فموقعه في العالم الذي يتشكل لن تحدده وفرة موارده وحدها، وإنما قدرته على تحويل هذه الموارد إلى قوة مستدامة وصناعة موقعه في التحولات الجارية، بدل الاكتفاء بالتكيف مع نتائجها.

دراسات وأبحاث

الدولة والمكانة في عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني: قراءة في إرث التحول القطري State and Status under Sheikh Hamad bin Khalifa Al Thani: A Reading of the Legacy of Qatar’s Transformation * Alanoud Ahmed AL-Thani – العنود أحمد آل ثاني ملخص تبحـث هـذه الدراسـة في إرث التحـول الـذي شـهدته قطـر في عهـد الشـيخ حمـد )، مـن خلال تحليـل العلاقـة بين بنـاء الدولـة، وإدارة 2013-1995( بـن خليفـة آل ثانـي الثـروة، وصناعـة المكانـة الإقليميـة والدوليـة، ومـدى اسـتمرارية هـذه التحـولات بعـد . وتنطلـق مـن فرضيـة مفادهـا أن الأثـر الأبـرز لتلـك الحقبـة 2013 انتقـال الحكـم عـام ثـَل في إعـادة تركيـب مصـادر القـوة القطريـة؛ بتحويـل الثـروة الهيدروكربونيـة � تم إلـى قـدرات مؤسسـية وتنمويـة، وتوظيفهـا في بنـاء أدوات اقتصاديـة واسـتثمارية سـَعت مكانـة قطـر وهامـش حركتهـا الإقليميـة والدوليـة. � وإعلاميـة ودبلوماسـية و للتمييز " اختبـار الاسـتمرارية " ظ ـِف � وتعتمـد الدراسـة المنهـج التاريخـي التحليلـي، وتو بيـن الإرث الشـخصي للقيـادة والإرثيـن المؤسسـي والإسـتراتيجي للدولـة، مـن خلال .2013 تتبـع أداء المؤسسـات والقـدرات والخيـارات الإسـتراتيجية في مرحلـة مـا بعـد ثـَل مرحلـة تأسـيس ثانيـة في تاريـخ الدولـة � وتخلـص إلـى أن عهـد الشـيخ حمـد م القطريـة الحديثـة، أُُعيـدت خلالهـا صياغـة وظائـف الدولـة ومصـادر قوتهـا وأدوات عملهـا، وأن اسـتمرار جانـب معتبـر من المؤسسـات والقـدرات والخيـارات الإسـتراتيجية وتطويرهـا في عهـد الشـيخ تميـم بـن حمـد آل ثانـي يكشـف عـن انتقـال جانـب مـن إرث حاكـم إلـى إرث دولـة. 2013-1995 مـن تجربـة قطـر، الشـيخ حمـد بـن خليفـة آل ثانـي، بنـاء الدولـة، قـدرة الكلمـات المفتاحيـة: الدولــة، الغــاز الطبيعــي، القــوة الناعمــة، المكانــة الدوليــة، الــدول الصغيــرة، الإرث السياسـي. Abstract This study examines the legacy of Qatar’s transformation under Sheikh Hamad bin Khalifa Al Thani (1995–2013) by analysing the relationship between state-building, wealth management, and the construction of * د. العنود أحمد آل ثاني، باحثة أولى ونائبة مدير مركز الجزيرة للدراسات. Dr. Al-Anoud Ahmed Al-Thani, Senior Researcher and Deputy Director of Al Jazeera Centre for Studies.

regional and international status, as well as the extent to which these transformations endured after the transfer of power in 2013. It argues that the most significant legacy of this period lay in the reconfiguration of Qatar’s sources of power: transforming hydrocarbon wealth into institutional and developmental capacities and deploying them to build economic, investment, media and diplomatic instruments that expanded Qatar’s international standing and room for manoeuvre at the regional and international levels. The study adopts a historical-analytical approach and employs a “continuity test” to distinguish between the leadership’s personal legacy and the state’s institutional and strategic legacies by tracing the performance of institutions, capabilities and strategic choices in the post-2013 period. It concludes that Sheikh Hamad’s reign represented a second foundational phase in the history of the modern Qatari state, during which the functions of the state, its sources of power, and its instruments of action were reshaped. The continued relevance of a significant part of these institutions, capabilities and strategic choices—and their further development under Sheikh Tamim bin Hamad Al Thani—demonstrates the transformation of part of the 1995– 2013 experience from the legacy of a ruler into the legacy of a state. Keywords: Qatar, Sheikh Hamad bin Khalifa Al Thani, state-building, state capacity, natural gas, soft power, international status, small states, political legacy.

15 |

مقدمة شــك ََّلت وفاة الشــيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير السابق لدولة قطر خلال الفترة ، مناسبة لإعادة النظر في تجربة حكم ارتبطت بمرحلة من أكثر مراحل 2013 - 1995 التاريخ القطري الحديث كثافة في التحولات. ولا تنبع أهمية العودة إلى هذه التجربة من المناسبة ذاتها بقدر ما تأتي من المسافة الزمنية التي باتت تفصل بين انتهاء حكم الشــيخ حمد والوقت الراهن؛ إذ مضى أكثر من ثلاثة عشــر عامًًا على انتقال السلطة إلى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وهي مدة تسمح بالنظر إلى تلك المرحلة من زاوية مختلفة عن القراءات التي كُُتبت أثناءها أو في السنوات الأولى التالية لها، والتمييز، بدرجة أكبر، بين ما ارتبط بشــخص القيادة وما تحول إلى مؤسســات وسياســات وخيارات إستراتيجية استمرت بعد انتقال الحكم. ا واسعًًا شمل بنية الدولة واقتصادها فقد شهدت قطر خلال حكم الشيخ حمد تحولًا ومؤسســاتها وعلاقتهــا بالمجتمع وموقعها في محيطهــا الإقليمي والدولي. وتزامن التوســع الكبير في اســتثمار موارد الغــاز مع بناء بنية تحتية ومؤسســات اقتصادية وتعليمية واجتماعية جديدة، وتطوير الإطار الدســتوري والتشريعي للدولة، وتوسيع ا عن انتهاج سياسة خارجية نشطة، وبناء حضور مجالات المشاركة المجتمعية، فضلًا إعلامي ودبلوماسي أتاح لقطر أداء أدوار إقليمية ودولية تجاوزت، في حالات عديدة، المحددات التقليدية المرتبطة بحجم الدولة وعدد سكانها. وقد ارتبطت هذه المرحلة بمشروع استهدف تحديث الحكم والدولة من خلال التنمية المستدامة وبناء منظومة .) 1 قانونية جديدة وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع( غيــر أن أهمية هذه التحــولات لا تكمن في حجم الإنجازات القطاعية منفردة بقدر ما تكمن في طبيعة العلاقة التي نشأت بينها. فمن المنظور الذي تتبنََّاه هذه الدراسة، لم تكن تنمية قطاع الطاقة، أو تحديث المؤسســات، أو الاســتثمار في التعليم، أو إنشــاء أدوات إعلامية ودبلوماسية ذات تأثير، مسارات منفصلة؛ بل مثََّلت، بدرجات متفاوتة، عناصر في عملية أوســع لإعادة تركيب مصادر القوة القطرية. فقد أتاحت الثروة الهيدروكربونية موارد اســتُُثمر جانب منها في بناء قدرات الدولة ومؤسســاتها ورأس مالها البشري، ثم أسهمت هذه القدرات، إلى جانب الطاقة، في إنتاج أدوات

| 16

جديــدة للنفوذ والحضور الخارجي. ويلقي هــذا المنظور الضوء على الارتباط بين القيادة في عهد الشيخ حمد وبين التنمية المستدامة والدستور والمشاركة والمأسسة وتوسيع " القوة الناعمة " والحكم الرشــيد، وكذلك بين نمط القيادة واكتساب أدوات .) 2 الحضور السياسي والاقتصادي الدولي لقطر( تنطلق الدراسة من إشكالية رئيسية تتمثل في تفسير طبيعة التحول الذي أحدثته حقبة الشــيخ حمد بن خليفة في بنية الدولة القطرية ومصادر قوتها ومكانتها، ومدى قدرة هذا التحول على تجاوز المرحلة التي نشــأ فيها والاســتمرار بعد انتقال السلطة عام . ويتفرع عن ذلك ســؤالان مترابطان: كيف تحولت الموارد الاقتصادية، وفي 2013 مقدمتها الثروة الغازية، إلى قدرات مؤسسية وتنموية وسياسية؟ وإلى أي مدى تحولت الخيارات التي ارتبطت بقيادة الشــيخ حمد من مشــروع يقوده الحاكم إلى مكونات مستقرة في بنية الدولة وإستراتيجيتها؟ وتفتــرض الدراســة أن الأثر الأكثر أهمية لحقبة الشــيخ حمد لــم يتمثل في تراكم الإنجازات القطاعية بقدر ما تمثل في إعادة تركيب مصادر القوة القطرية؛ من خلال تحويــل الثروة الهيدروكربونية إلى قدرة مؤسســية وتنمويــة، وتوظيف هذه القدرة، إلى جانب موارد الطاقة، في بناء نفوذ إعلامي ودبلوماســي واســتثماري، مك ََّن دولة صغيــرة جغرافيًًّا وديمغرافيًًّا من إنتــاج مكانة إقليمية ودولية تجاوزت مقومات القوة التقليدية المتاحة لها. كما تفترض أن استمرار قسم مهم من المؤسسات والسياسات والخيارات الإستراتيجية التي تشكلت خلال تلك المرحلة، وقدرتها على العمل في ســياقات وأزمات لاحقة، يمثل مؤشرًًا على انتقال جانب من مكتسبات تلك الحقبة من إرث القيادة إلى إرث الدولة. للدلالة على جملة المؤسســات " الإرث السياســي " وتســتخدم الدراســة مفهــوم والسياسات والخيارات الإستراتيجية وأنماط توظيف الموارد التي نشأت أو ترسخت ). وبهذا 3 خلال فترة قيادة سياســية معينة، واســتمرت آثارها بعد انتهاء تلك القيادة( المعنــى، لا يُُقاس الإرث بحجم ما أُُنجز خلال فترة الحكم فحســب، وإنما كذلك بقدرته على الاســتمرار والتكيف والعمل في ظروف تختلف عن الظروف التي نشــأ فيها. ومن ثم تميز الدراســة، لأغراض التحليل، بين ثلاثة مســتويات مترابطة: إرث شــخصي يتصل بنمط القيادة وصناعة القرار، وإرث مؤسســي يتمثل في المؤسسات

17 |

والبنى والسياسات التي استقرت داخل الدولة، وإرث إستراتيجي يتعلق بتصور قطر لمصادر قوتها ودورها ومكانتها في الإقليم والعالم. وتعتمد الدراســة منهج ًًا تاريخيًًّا تحليليًًّا يتتبع التحولات الأساســية التي شهدتها قطر ، مع توظيف مقاربة تحليلية تقوم على الربط بين بناء الدولة 2013 و 1995 بين عامي ، " اختبار الاستمرارية " وإدارة الموارد وصناعة المكانة. كما تستعين بما يمكن تسميته من خلال النظر في مسار المؤسسات والسياسات والقدرات التي نشأت أو ترسخت في عهد الشــيخ حمد بعد انتقال الحكم، ولاسيما خلال محطات كاشفة تمثلت في ، وجائحة 2021 و 2017 ، وأزمة الحصار بين عامي 2014 أزمة ســحب الســفراء عام . ولا يفترض هذا الاختبار 2022 ، واســتضافة كأس العالم عــام 2020 كورونــا عام تطابق سياسات العهدين، وإنما يسعى إلى تحديد عناصر الاستمرار والتغير، والتمييز بين ما كان مرتبط ًًا بظرف تاريخي وقيادة بعينها وما اكتسب قدرة مؤسسية وإستراتيجية على البقاء. 1995 وعلى هذا الأساس، تنتظم الدراسة في أربعة محاور: يبحث الأول في مرحلة بوصفها بداية لإعادة تشــكيل بنية الدولة وعلاقتها بالمجتمع؛ ويتناول الثاني عملية تحويل الثروة، ولاسيما الغازية، إلى قدرة دولة من خلال المؤسسات والتنمية ورأس المال البشــري؛ ويحلِِّل الثالث انتقال قطر من محدودية الدولة الصغيرة إلى صناعة مكانــة إقليمية ودولية عبر الطاقة والإعلام والدبلوماســية والاســتثمار؛ بينما يختبر ، للوقوف على مدى انتقالها من خيارات 2013 الرابع إرث هذه التحولات بعد عام ارتبطت بقيادة الشيخ حمد بن خليفة إلى مكونات أكثر رسوخ ًًا في بنية الدولة القطرية وإستراتيجيتها. ومنطلقات إعادة تشكيل الدولة 1995 ا : أول ًا ، نقطة تحول 1995 ثـ َل وصول الشــيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى الحكــم، عام � م في مســار الدولة القطرية، تجاوزت دلالتها انتقال الســلطة من حاكم إلى آخر إلى إطلاق عملية لإعادة تشكيل وظائف الدولة وأدوات عملها وعلاقتها بالمجتمع. ولم تبــدأ هــذه العملية من فراغ؛ فقد كانت لقطر مؤسســاتها وأطرها القانونية والإدارية التي تشــكلت منذ الاســتقلال وما قبله، لكن المرحلة الجديدة اتسمت بتسارع بناء المؤسســات وتحديث التشريعات، وإدخال التخطيط الإســتراتيجي، وتوسيع نطاق

| 18

عـ ًا مركزيًًّا في هذه � التنظيــم القانونــي لعمل الدولة. واحتلت القيادة السياســية موق العمليــة؛ إذ ارتبطت الســنوات الأولى من حكم الشــيخ حمد بتوجه نحو تســريع التحديث، مع اعتماد التدرج في إدخال التغييرات السياســية والاجتماعية. ولم تقم هذه المقاربة على القطيعة مع البنى التقليدية للمجتمع، وإنما سعت إلى المواءمة بينها وبين مقتضيات بناء دولة حديثة. وظلََّت الدولة الفاعل الرئيس في تحديد اتجاهات الإصلاح وإيقاعــه، بينما أخذت الأولويات التي تحددها القيادة تتحول تدريجيًًّا إلى مؤسسات وتشريعات وسياسات عامة. وبذلك تشك ََّل نمط من التحديث الذي تقوده الدولة من أعلى، وظلت فيه مركزية القيادة متزامنة مع اتجاه متزايد نحو المأسســة، بدل أن تكون إحداهما نقيض ًًا للأخرى. ويكشف هذا التفاعل بين القيادة والمؤسسة .) 4 عن إحدى السمات الأساسية للتجربة القطرية في تلك المرحلة( وكان بنــاء قــدرة الدولة على التخطيط طويل المدى أحد المؤشــرات المبكرة على ، أُُنشــئ مجلس التخطيط، وأُُســندت إليه 1998 هذا التحول. ففي يناير/كانون الثاني مهمة إعداد الخطط الإنمائية طويلة ومتوســطة وقصيرة المدى، واقتراح السياســات الاقتصاديــة والاجتماعية والأهداف الإنمائية بما يحقق الاســتغلال الأمثل للموارد الطبيعيــة والبشــرية. ولم تكــن أهمية هذه الخطوة في إنشــاء جهاز حكومي جديد فحسب، وإنما في إدخال التخطيط بوصفه وظيفة مركزية من وظائف الدولة، وربط إدارة الموارد بتصور مستقبلي للاقتصاد والمجتمع. ، التي أُُنيط 2006 وتطور هذا المسار مع إنشاء الأمانة العامة للتخطيط التنموي، عام بها وضع رؤية شــاملة وخطط إســتراتيجية عامة للتنمية ومتابعــة تنفيذها، وتحديد الأولويــات والأهداف الكمية، والتنســيق بين الخطط التنفيذيــة للجهات المختلفة، وتقييــم الأداء واقتراح الإجراءات التصحيحيــة. وبذلك انتقلت وظيفة التخطيط من ا تقــوم على الرؤية والتخطيط إعــداد البرامج التنمويــة إلى بناء منظومة أكثر تكاملًا رؤية " والتنفيذ والمتابعة والتقييم، وتكََلََّل هذا المسار خلال عهد الشيخ حمد بإطلاق ، بوصفها إطارًًا بعيد المدى يحدد الغايات الكبرى 2008 ، عام "2030 قطــر الوطنيــة .) 5 للدولة والمجتمع ويوجه الإستراتيجيات والخطط المرحلية نحوها( وبموازاة بناء القدرة التخطيطية والإدارية، شــهدت الدولة عملية مأسســة دســتورية وقانونية كان أبرز معالمها الدســتور الدائم. فبعد عقود من العمل بالنظام الأساســي

19 |

، عُُرض مشــروع الدســتور على الاستفتاء 1972 وتعديلاته لعام 1970 المؤقت لعام يونيو/حزيران 8 ، ثم صدر الدستور الدائم، في 2003 أبريل/نيسان 29 الشعبي، في . ولم تقتصر دلالته على الانتقال من إطار دستوري مؤقت إلى آخر دائم؛ فقد 2004 نظ ََّم الســلطات العامة، وحد ََّد جملة من الحقوق والواجبات، وربط ممارسة السلطة سيادة القانون أساس " بمجموعة من المبادئ القانونية والمؤسسية، وفي مقدمتها أن .) 6 ( " الحكم في الدولة كما ربط الدســتور وظيفة الدولة بأهداف تتجاوز إدارة الســلطة إلى تحقيق التنمية الاقتصاديــة والاجتماعية، ورفع مســتوى المعيشــة، وتوفير فــرص العمل، والعناية بالتعليم والصحة والأســرة والنشء، وحسن استغلال الموارد الطبيعية وحماية البيئة. وبهذا المعنى، كان التطور الدستوري جزءًًا من تحول أوسع في تصور وظيفة الدولة ذاتها: من جهاز لإدارة الحكم والموارد إلى دولة تضطلع بمسؤولية التخطيط للتنمية وبناء القدرات البشرية والاجتماعية وتنظيم العلاقة بين مؤسساتها والمواطنين. واقترن ذلك بتطوير بعض آليات المســاءلة والرقابة المؤسســية، بما في ذلك الرقابة القضائية على دستورية القوانين، واختصاص القضاء الإداري بالمنازعات التي تكون الإدارة طرفًًا فيها، وهو ما تُُرجم لاحقًًا بصدور قانون الفصل في المنازعات الإدارية، ). كما امتدت عملية 8 ( 2008 ) وإنشــاء المحكمة الدستورية العليا، عام 7 ( 2007 عام المأسسة إلى مجالات الرقابة والنزاهة وإدارة المال العام؛ فصدرت تشريعات تتعلق بمكافحة الرشوة واختلاس الأموال العامة، وانضمت قطر إلى اتفاقية الأمم المتحدة ،) 9 ( 2011 ، ثم أُُنشئت هيئة الرقابة الإدارية والشفافية، عام 2007 لمكافحة الفساد، عام وأســندت إليها مهام تتعلق بتعزيز النزاهة ومراجعة أوجه القصور في النظم الإدارية والماليــة واقتراح معايير للشــفافية. ولا تكمن دلالة هــذه الإجراءات في أنها تثبت ، وإنما في كونها تكشــف اتجاهًًا " الحكم الرشــيد " بذاتها تحقُُّق نموذج مكتمل من متراكمًًا نحو جعل إدارة الدولة أكثر اعتمادًًا على القانون والتنظيم والتخطيط والرقابة .) 10 المؤسسية( وفي موازاة ذلك، اتجهت الدولة إلى توسيع نطاق المشاركة العامة بصورة تدريجية. ، بمشاركة الرجال والنساء 1999 وشك ََّل انتخاب المجلس البلدي المركزي منذ عام في الانتخاب والترشح، إحدى العلامات المبكرة لهذا المسار. وكانت أهمية التجربة

| 20

في إدخال آلية الانتخاب إلى المجال العام وإتاحة قدر من المشاركة في إدارة الشؤون ا إلى نظام سياســي تنافســي. فقد ظلََّت الدولة صاحبة المحلية، أكثر من كونها تحولًا الدور المركزي في تحديد نطاق المشاركة وإيقاع تطورها، كما بقيت القيادة السياسية .) 11 والسلطة التنفيذية في مركز النظام( وتكشــف المقارنة بين هذه المســارات عن عدم تماثل سرعات التحول خلال عهد الشــيخ حمد. فقد كان بناء قدرة الدولة الإدارية والتخطيطية وتحديث المؤسســات والتشــريعات أسرع وأوســع من إعادة تشــكيل المجال السياسي. ولذلك لا يصح مســاواة المأسســة بالتعددية السياســية، أو اعتبار تحســين الحوكمة مرادفًًا للتحول الديمقراطي؛ فالمســاران قد يتقاطعان لكنهما لا يتطابقان. وقد اتســعت المشــاركة السياسية داخل إطار تدريجي تحدده الدولة، في حين توسعت بوتيرة أسرع قدراتها التنظيمية والتخطيطية والتنموية. وتساعد هذه المفارقة على تحديد طبيعة التحول الذي شهدته قطر بصورة أدق. فلم ا من حكم شــخصي إلى حكم مؤسســي يحل فيه أحدهما محل تكن العملية انتقالًا الآخر بل نشأت علاقة أكثر تركيبًًا بين قوة القيادة وبناء المؤسسة. فقد كانت القيادة السياســية نفســها المحرك الرئيس لعملية المأسسة: تحدد الاتجاهات الكبرى، بينما تتولى المؤسســات التي أنشــئت أو أعيد تنظيمها تحويلها إلى سياسات وتشريعات وخطط وآليات للتنفيذ والمتابعة. ومن ثم، يمكن النظر إلى أحد أهم التحولات التي تتجاوز امتلاك " قــدرة دولة " بوصفه بناء 2013 و 1995 شــهدتها الدولــة بين عامي الموارد المالية إلى القدرة على تحديد الأهداف، وتنظيم الموارد، وتوزيع الوظائف، ووضع الخطط، ومتابعة التنفيذ وإنتاج القواعد المنظ ِِّمة للعمل العام. وهنا تتصل عملية المأسسة مباشرة بإشكالية هذه الدراسة المتعلقة بإرث الشيخ حمد. فالمعيار الأهم في تقييم تجربة تقودها شخصية سياسية قوية ليس عدد القرارات أو المؤسســات التي أُُنشــئت في عهدها فحسب، وإنما مقدار ما استطاعت تحويله من خياراتها إلى قواعد ومؤسســات وقدرات قابلة للاســتمرار بعد انتقال السلطة. ومن هذه الزاوية، يمثل الدستور، ومؤسسات التخطيط، والأجهزة الرقابية، وتطوير الإدارة العامة، البنية الأولى التي يمكن من خلالها اختبار انتقال جانب من تجربة الشيخ حمد من مشروع قيادة إلى قدرة دولة.

21 |

ثانيًًا: من الثروة إلى بناء الدولة إذا كانت المأسسة، كما اتضح في المحور السابق، قد مثََّلت أحد أبعاد التحول الذي ، فإن بناء المؤسسات وتوسيع وظائف الدولة كانا يحتاجان 1995 شهدته قطر منذ عام إلى قاعدة مادية تتيح تحويل الخطط والسياسات إلى قدرات فعلية. وقد وفرت الثروة الهيدروكربونية هذه القاعدة، لكن أهميتها في تجربة الشيخ حمد بن خليفة لم تكن في حجم الإيرادات التي حققتها فحســب، وإنما في الكيفية التي أُُعيد بها توظيف هذه الإيرادات في بناء الاقتصاد والبنية التحتية والمؤسســات ورأس المال البشــري والأصول الاســتثمارية. ومن هذه الزاوية، يمكــن النظر إلى التحول الاقتصادي في يـ ًا من امتلاك مورد طبيعي إلى � تلــك الحقبــة بوصفه عملية انتقلت فيها قطر تدريج توظيف عوائده في بناء الدولة وتوسيع إمكاناتها التنموية. ولم يكن هذا التحول نتيجة تلقائية لامتلاك قطر احتياطيات ضخمة من الغاز؛ فعندما ، كانت الدولة تواجه ظروفًًا 1995 تولى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم، عام ماليــة صعبــة بفعل انخفاض أســعار النفط وتراجع الإيرادات والســيولة، في وقت كانت فيه مطالبة بتوفير اعتمادات مالية كبيرة لاســتكمال مشــروعات الغاز الطبيعي والبتروكيماويات والأسمدة والكهرباء وغيرها من مشروعات التنمية، وهو ما استدعى تمويل جانب منها بقروض داخلية وخارجية. ومع ذلك، لم تتجه القيادة إلى تقليص المشروعات الإستراتيجية أو التراجع عنها بل اختارت تحمل الضغوط المالية الآنية والاســتمرار فــي خطة التنمية، انطلاقًًا من تقديــر أن محدودية الاحتياطيات النفطية تجعل تنمية موارد إضافية ومتنوعة ضرورة لمســتقبل البلاد. وقد عبََّر الشــيخ حمد مبكــرًًا عن هذا التصور حين ربط قوة الاقتصاد ليس فقط برفاه المواطن ومســتوى معيشته، وإنما أيض ًًا بأمن الوطن واستقراره وتقدمه واستقلال قراره. وكان تطوير الغاز في قلب هذه الرؤية؛ إذ توقعت القيادة آنذاك أن تكون الصعوبات المالية مؤقتة إلى حين اكتمال المشروعات الأساسية وبدء الإنتاج الفعلي للغاز. ومن ثم، لم تكن نقطة الانطلاق وفرة مالية جاهزة أتاحها الغاز، بقدر ما كانت قرارًًا إســتراتيجيًًّا بالاستثمار فــي الغــاز وتحمل تكلفته قبل أن تتحقق عوائده الكبرى، وتحويله لاحقًًا إلى قاعدة .) 12 لتمويل عملية أوسع لبناء الدولة وتنويع مواردها(

| 22

الغاز وقاعدة التحول الاقتصادي شــك ََّل تطوير حقل الشمال نقطة الارتكاز في هذا التحول. فعلى الرغم من اكتشاف ، لم تبدأ أولى شحنات الغاز الطبيعي المسال في الخروج من قطر 1971 الحقل عام . وكان التوجه إلى تطوير الغاز قد بدأ قبل تولي الشيخ حمد 1996 إلا في أواخر عام ، حين كان وليًًّا للعهد، اتُّّخــذ قرار إقامة مدينة رأس لفان 1989 الحكــم؛ ففــي عام الصناعيــة مركزًًا لصناعة الغاز، واختيــر موقعها لقربه من الحقل وملاءمته للأهداف ، تســارعت 1995 التي وضعتها الدولة لتطوير هذه الصناعة. وبعد توليه الحكم، عام ، أكبر مصدِِّر للغاز 2006 عملية بناء صناعة متكاملة للغاز، حتى أصبحت قطر، عام مليون طن 77 نحو 2010 الطبيعي المسال في العالم، ثم بلغت طاقتها الإنتاجية عام .) 13 سنوي ًًّا( ولم يكن بناء هذه الصناعة ممكنًًا بالاعتماد على المورد الطبيعي وحده؛ فقد تطلب رؤوس أمــوال كبيرة وتكنولوجيا متقدمة وخبرات فنية وأســواقًًا خارجية مســتقرة. ومن هنا قامت إســتراتيجية التطوير على الشــراكة مع شركات الطاقة العالمية، سواء من خلال اتفاقيات المشــاركة في الإنتاج في قطاع النفط أو المشــروعات المشتركة في الغاز والبتروكيماويات. وأســهمت الكميات المتزايدة من الغاز في توســيع إنتاج الأمونيا واليوريا والإيثيلين، والانتقال إلى صناعات لاحقة، من بينها منتجات البولي إيثيلين، كما توسعت قطر في تحويل الغاز إلى سوائل من خلال مشروعات كبرى، . وبذلك أخذت تتشــكل حول حقل الشــمال سلسلة " اللؤلؤة " و " أوريكس " أبرزها إنتاج متكاملة تمتد من اســتخراج الغاز ومعالجته إلى تســييله ونقله وتصديره، ومن اســتخدامه مصــدرًًا للطاقة إلى توظيف مشــتقاته في صناعــات تحويلية ذات قيمة .) 14 مضافة( وتكشــف المؤشــرات الاقتصادية عن حجم التحول الذي أحدثه قطاع الطاقة خلال هــذه المرحلة. فقد ارتفعت مســاهمة القطــاع الهيدروكربوني فــي الناتج المحلي % في نهايته، فيما ارتفعت 54 % في بداية عهد الشــيخ حمــد إلى 37 الإجمالــي من مليارات، بمعدل نمو 403 مليار ريال إلى نحو 11 القيمــة المضافــة للقطاع من نحو % بالأسعار الثابتة. وانعكس ذلك على 11 . 4 % بالأسعار الجارية و 22 . 2 ســنوي بلغ مجمل النشــاط الاقتصادي؛ إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية من ضعف مستواه في بداية الفترة، 24 . 5 مليارًًا، أي إلى 735 مليار ريال إلى نحو 30 نحو

23 |

%. وبالأسعار الثابتة، تجاوز الناتج في نهاية الفترة سبعة 19 . 5 بمتوسط نمو سنوي بلغ %. كما ارتفع نصيب الفرد 11 . 7 أمثال مســتواه في بدايتها، بمعدل نمو ســنوي قدره ألفًًا، بمعدل نمو 370 ألف ريال إلى نحو 60 من الناتج المحلي الإجمالي من نحو .) 15 (% 10 . 6 سنوي بلغ )2013–1995 أداء الاقتصاد القطري في عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (

. " إنجازات الأمير الوالد " الديوان الأميري القطري، المصدر: وامتد أثر هذه الطفرة إلى التجارة الخارجية؛ فقد ارتفعت صادرات السلع والخدمات سـًا بالتوســع في إنتاج � مليارًًا، مدفوعة أسا 538 . 5 مليار ريال إلى نحو 13 من نحو الغاز المسال والنفط وارتفاع أسعارهما، فيما ارتفع فائض الميزان التجاري السلعي مليارًًا. ولم يعد الغاز، والحال هذه، مجرد 387 مليار ريال إلى نحو 1 . 7 مــن نحــو قطــاع كبيــر داخل الاقتصاد، بل أصبح القاعدة المالية التي وفرت للدولة موارد غير .) 16 مسبوقة لتوسيع نطاق عملها وتمويل مشروعها التنموي( توظيف العوائد في بناء مقومات التنمية غيــر أن قيــاس أثر هذه المرحلة بحجم النمو فــي قطاع الطاقة وحده يحجب جانبًًا أساسيًًّا من التجربة؛ فقد انتقلت آثار الإيرادات الهيدروكربونية إلى قطاعات الاقتصاد الأخرى. وارتفعت مساهمة القطاع غير الهيدروكربوني في الناتج المحلي الإجمالي مليارًًا في نهايته. 332 مليار ريال في بداية عهد الشيخ حمد إلى نحو 18 . 7 من نحو %، والبناء والتشــييد 9 . 4 وحقق قطاع الصناعات التحويلية نمو ًًّا ســنويًًّا حقيقيًًّا قدره %، وهي مؤشــرات تكشــف أن الطفرة لم تبق 17 . 6 %، والنقــل والاتصالات 17 . 8 محصورة داخل قطاع اســتخراج النفط والغاز، وإن ظل هذا القطاع مصدر التمويل .) 17 الرئيس لها(

| 24

وظهرت هذه الموارد بصورة ملموســة في إعادة تشــكيل البنية التحتية للبلاد. فقد شــهدت تلك المرحلة الشــروع في مشــروعات كبرى، من بينها مطار حمد الدولي ، وميناء 2011 ، ومشروع شبكات السكك الحديدية عام 2005 الذي بدأ إنشــاؤه عام ا عن مدينة لوســيل، ومشــروع ، فضلًا 2007 الدوحة الجديد الذي تقرر إنشــاؤه عام مشــيرب، وغيرها من المشروعات. وبذلك تحولت العوائد المالية إلى أصول مادية طويلة الأجل وس ََّعت إمكانات الاقتصاد وربطت عملية النمو ببناء بنية أساسية قادرة على استيعاب التوسع السكاني والاستثماري. وكان الاستثمار في الإنسان الوجه الآخر لهذه العملية. فقد جعلت السياسة التنموية التعليم أحد المجالات الرئيسة لبناء رأس المال البشري؛ فأنشئت مؤسسة قطر للتربية ، وتوســعت المــدارس والجامعات والكليات 1995 والعلــوم وتنمية المجتمع، عام المتخصصــة، وتطــورت المناهج وطــرق التدريس، وانفتحت الــبلاد على تجارب تعليميــة دولية، وأصبحت المدينة التعليمية تضم مؤسســات تعليمية وعلمية وبحثية عالمية، ثم تأسست جامعة حمد بن خليفة. كما خصصت الدولة بموجب المرسوم .) 18 % من إيراداتها لدعم البحث العلمي( 2 . 8 نسبة 2008 لسنة 24 بقانون رقم وتكشــف هذه السياســات عن تصور يتجاوز مجرد التوســع في الخدمات؛ إذ كان المقصــود تحويل جانــب من رأس المال الناجم عن الطاقة إلى رأس مال بشــري ومعرفي يستطيع تشغيل الاقتصاد والمؤسسات التي كانت الدولة تبنيها. وقد كرََّست هذا التوجه حين جعلت التنمية البشــرية إحدى ركائزها "2030 رؤية قطر الوطنية " الأساسية، وربطت استدامة التنمية ببناء نظام تعليمي متطور وقوة عمل مؤهلة واقتصاد يتجه تدريجيًًّا نحو المعرفة. وكانت الرؤية نفسها، التي أُُعد ََّت بتوجيهات الشيخ حمد، ، تعبيرًًا عن انتقال الدولة من إدارة طفرة اقتصادية آنية 2008 ، وأُُقرََّت عام 2007 عام .) 19 إلى التفكير في كيفية استدامة مكتسباتها على المدى الطويل( تراكم الأصول اتخذ تحويل الثروة إلى أصول طويلة الأجل مســارًًا مؤسســيًًّا موازيًًا في قطر. ففي ليشرف على " المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار " ، تأســس 2001 عام ، 2005 السياسات الاقتصادية والمالية والتجارية وشؤون الطاقة والاستثمار. وفي عام

25 |

بهدف تنمية أموال احتياطي الدولة واستثمارها وإدارتها. " جهاز قطر للاستثمار " تأسس وكان لهذا المســار دلالة تتجاوز إنشــاء مؤسسة اســتثمارية جديدة؛ إذ مثََّل محاولة لتحويــل جانب من العوائد المتأتية من مورد ناضب إلى أصول مالية وحقيقية قادرة على توليد عوائد مستقبلية. وبذلك أخذت إدارة الثروة تتحرك في اتجاهين متكاملين: اســتثمار داخلي في البنية التحتية والمؤسســات والإنسان، واستثمار خارجي يحو ِِّل جزءًًا من الفوائض الحالية إلى أصول ممتدة زمنيًًّا وجغرافيًًّا. ومن هنا اكتسب مفهوم التنويع في التجربة القطرية مستويين متداخلين: تنويع النشاط داخــل الاقتصاد المحلــي، وتنويع أصول الدولة ومصادر عوائدها خارجه. وقد كان المستوى الثاني مهم ًًّا بصفة خاصة لدولة تعتمد مواردها الأساسية على النفط والغاز؛ لأنــه أتــاح تحويل جانب من الثروة الهيدروكربونية إلى رصيد اســتثماري لا يرتبط بصورة مباشرة بإنتاج الطاقة داخل البلاد. ومع ذلك، فإن اتساع القطاعات غير الهيدروكربونية والاستثمارات الخارجية لا يعني أن الاقتصاد القطري تجاوز خلال تلك المرحلة اعتماده على النفط والغاز. فالأرقام نفسها تكشف مفارقة مهمة: ففي الوقت الذي ارتفعت فيه القيمة المضافة للقطاع غير مليار ريال، ارتفعت مساهمة القطاع الهيدروكربوني في 332 الهيدروكربوني إلى نحو %. وهذا يعني أن الاقتصاد كان يتنوع وينمو، ولكن 54 % إلى 37 الناتج المحلي من .) 20 انطلاقًًا من قاعدة هيدروكربونية كانت هي الأخرى تتوسع بوتيرة شديدة السرعة( ومن ثم، ينبغي التمييز بين تنويع استخدام عوائد الطاقة وتجاوز الاعتماد عليها. فقد نجحت قطر في توظيف جانب كبير من هذه العوائد في بناء قطاعات ومؤسســات ا المصدر الرئيس للصــادرات والإيرادات وأصــول جديدة، لكن النفــط والغاز ظل َّا رؤية قطر الوطنية " والتمويل الذي يحرك أجزاء واسعة من الاقتصاد. وهذا ما يفسر أن لم تتعامل مع التنويع بوصفه أمرًًا تحقق بل بوصفه هدفًًا طويل الأجل يقوم "2030 على الموازنة بين اســتغلال الثروة الهيدروكربونيــة وتنمية اقتصاد أكثر اعتمادًًا على المعرفة والقطاع الخاص والابتكار. غير أن آثار هذا التحول الاقتصادي لم تبق داخل حدود الدولة. فمع تراكم الموارد والمؤسسات والأصول، امتلكت قطر أدوات جديدة للحركة خارج حدودها، وأصبح

| 26

السؤال يتجاوز كيفية بناء الدولة إلى كيفية توظيف ما راكمته من موارد وعلاقات في توسيع حضورها الخارجي. ومن هنا تبدأ الحلقة التالية في التحول القطري: الانتقال من محدودية الجغرافيا إلى صناعة المكانة والنفوذ. ثالثًًا: صناعة المكانة والنفوذ ، نقطة تحول في موقع 1995 مثََّل تولي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم، عام قطــر الإقليمي والدولي؛ إذ انتقلت سياســتها الخارجية تدريجيًًّا من نمط يركز على ا ومبادرة، حماية الدولة الصغيرة والتكيف مع بيئتها الإقليمية إلى سياسة أكثر استقلالًا تســعى إلى توســيع هامش الحركة وبناء مكانة تتجاوز المحددات التقليدية للحجم الجغرافي والســكاني. وقد ارتبط هذا التحول بإدراك حساســية موقع قطر في بيئة إقليمية تتســم باختلالات القوة، وبأن ضمان أمن الدولة واســتقلال قرارها يتطلبان أكثــر من امتلاك الموارد الاقتصادية أو الاهتمام بالترتيبات الأمنية التقليدية؛ أي بناء شــبكة من العلاقات والمصالح والأدوار تجعل قطر حاضرة في حســابات الفاعلين ا ًا الإقليميين والدوليين، أي بعبارة أخرى، عملت قطر على إعادة تموضع يجعلها فاعل ديناميكيًًّا على المستويين، الإقليمي والدولي. وقد استلزم هذا التحول إعادة تعريف مصادر القوة وكيفية اكتسابها. فقد توسعت قطر في شبكة علاقاتها الخارجية، واحتفظت بقنوات اتصال مع أطراف متعددة. وبذلك لم تعد محدودية الجغرافيا حد ًًّا نهائيًًّا لدورها الخارجي بعدما سعت القيادة إلى تعويضه بالمبادرة، وكثافة الحضور، وتعدد الشراكات، والقدرة على الوصول إلى دوائر سياسية مختلفة. وكان للقيادة السياســية دور مركزي في دفع هذا التحول. فالسياسة الخارجية خلال تلك المرحلة ارتبطت بصورة وثيقة بتصورات الشــيخ حمد بن خليفة وطموحه إلى توسيع موقع قطر، وبالنشاط الدبلوماسي المكثف الذي أثمر عن توسيع العلاقات مع دول إفريقيا وآســيا وأميركا اللاتينية، بالتوازي مع تعميقها مع الدول العربية وأوروبا والولايات المتحدة. وقد وفرت هذه الشــبكة الواســعة من العلاقات للدولة هامشًًا للحركة بين قوى ومصالح متعارضة، في وقت أكدت فيه السياســة الرســمية مبادئ التعايش السلمي، والتعاون الدولي القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وتعزيز العلاقات الإقليمية.

27 |

ومن أبرز التطبيقات العملية لهذا التوجه دبلوماســية الوساطة وتسوية النزاعات التي ا يمكنها فيه تحويل محدودية القوة الصلبة إلى ميزة وظيفية؛ لأن وفــرت لقطر مجالًا نجاح الوســيط يعتمد على قدرته علــى التواصل مع الأطراف، وبناء الثقة، وامتلاك الموارد والمرونة، أكثر من اعتماده على التفوق العســكري أو الســكاني. ومن هنا أخــذت قطــر تتخصص في هذا المجال وتُُراكم من خلاله رصيدًًا دبلوماســيًًّا، حتى غدت الوساطة إحدى السمات المميزة لسياستها الخارجية في عهد الشيخ حمد. وقد بكثافة المبادرة والانخراط في تسوية 2013 و 1995 اتسم الحضور القطري بين عامي النزاعات وصنع السلام، بما جعل السياسة الخارجية إحدى أبرز ساحات التحول التي شهدتها الدولة في تلك المرحلة. ولم تكن حالات الوســاطة المتعددة مبادرات منفصلة بقدر ما أخذت، مع تراكمها، تشكل وظيفة دبلوماسية للدولة. فقد برزت الدوحة في الوساطة اللبنانية والصومالية والسودانية، ونشطت في الساحة الفلسطينية وبين الفصائل الفلسطينية، وانخرطت في ملفــات نزاع أخرى، مســتفيدة من قدرتها على التواصل مــع أطراف يصعب أحيانًًا جمعها ضمن قناة سياسية واحدة. وبهذا المعنى، لم تكن قيمة الوساطة مقتصرة على نتائج كل حالة بعينها، بل فيما أنتجته تراكميًًّا من علاقات وثقة وقدرة على الوصول إلى الفاعلين، وهو ما وس ََّع مساحة الحركة الدبلوماسية القطرية. غير أن تفسير صعود الدور القطري بالوساطة وحدها يظل قاصرًًا؛ لأن ما تشك ََّل في عهد الشيخ حمد كان أوسع من سياسة خارجية نشطة، وأقرب إلى منظومة متكاملة لصناعة المكانة، التقت فيها الدبلوماســية الرسمية مع الدبلوماسية العامة، والاقتصاد مــع الإعلام، والعمل الإنســاني مــع التعليم والثقافة والرياضة والســياحة. ويمكن إطارًًا تفسيريًًّا لفهم الطريقة التي عملت " الســمة الوطنية " الاســتعانة هنا بمفهوم بناء بهــا أدوات تبــدو متباعدة في اتجاه متقارب: جعل قطــر معروفة وحاضرة، وربطها بمصالح وشــبكات وعلاقــات تتجاوز حدودها الجغرافية. ولم تعد المســألة، بهذا المعنى، مجرد تحســين لصورة الدولة في الخارج، وإنما تحويل الحضور والســمعة .) 21 وشبكات العلاقات نفسها إلى موارد للقوة( واحتلت شبكة الجزيرة موقعًًا بارزًًا ضمن أدوات القوة الناعمة التي دعمت الحضور ، تجاوز تأثيرها حدود الدولة، وأصبحت 1996 الخارجي لقطر. فمنذ تأسيســها، عام

| 28

منصة إعلامية واســعة الانتشــار أســهمت في حضور قطر في المجال العام العربي والدولي. وجاء ذلك ضمن توجه أوســع في السياســة القطرية جمع بين الأدوات الدبلوماســية والاقتصادية والإعلامية والإنســانية لتعزيز مكانة الدولة وتوسيع مجال تأثيرها. ومع اتســاع انتشــار الشــبكة، أصبح الإعلام أحد الموارد التي عو ََّضت بها قطر جانبًًا من محدودية الحجم الجغرافي والسكاني، وأسهمت الجزيرة، إلى جانب أدوات أخرى في التعليم والثقافة والرياضة، في بناء قوة ناعمة عززت حضور الدولة .) 22 وصورتها خارج حدودها( وإلــى جانــب الإعلام، أدََّت القوة الاقتصادية والاســتثمارية دورًًا مهم ًًّا في توســيع الحضور الخارجي لقطر. فقد وفرت الثروة المتأتية، خصوص ًًا من تطوير قطاع الغاز، قاعدة مادية أتاحت توســيع الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية، وتمويل المبادرات الدبلوماســية والإنسانية والثقافية والرياضية. وأسهم توظيف جانب من هذه الموارد في بناء علاقات ومصالح متبادلة مع دول وشركات ومؤسسات عالمية، كما أوجدت الاســتثمارات الخارجية شــبكات من المصالح المتداخلــة، ربطت قطر باقتصادات ومؤسسات دول أخرى، وعززت بذلك حضورها ومكانتها على الساحة الدولية. واتســعت منظومة صناعة المكانة لتشمل العمل الإنســاني؛ إذ أسهمت المؤسسات والجمعيــات والمبــادرات القطرية في الإغاثــة والعمل الخيــري والتنموي خارج الحدود، مضيفة إلى صورة الدولة بُُعدًًا إنســانيًًّا ومجتمعيًًّا، وموســعة دائرة اتصالها بمجتمعات وفئات لا تصل إليها الدبلوماســية الرسمية عادة. كما أدََّى الاستثمار في التعليم والثقافة واســتضافة المؤتمرات والفعاليات الدولية وظيفة مشــابهة؛ إذ جذب إلــى الدوحة أكاديمييــن ومثقفين وصنََّاع قرار وطلابًًا وخبراء، وأوجد قنوات اتصال تتجاوز العلاقات الرســمية بين الحكومات. وبهذا المعنى، أصبحت الدوحة نفســها جزءًًا من أدوات الدبلوماسية العامة: مكانًًا للقاء والتفاوض والتعليم والإعلام والثقافة، وليس مجرد عاصمة سياسية لدولة صغيرة. ا إلى وبرزت الرياضة بوصفها إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة القطرية وأكثرها وصولًا ، في ديسمبر/كانون الأول 2022 الجمهور العالمي. وجاء الفوز باستضافة كأس العالم ، تتويج ًًا لمســار من الاســتثمار في الرياضة واســتضافة البطولات والفعاليات 2010 الدولية. وقد مثََّل المونديال فرصة واســعة للتعريف بقطر وتعزيز حضورها العالمي، وإبــراز مــا حققته من تطور في البنية التحتية والتنظيم والتكنولوجيا والخدمات. كما

29 |

أتاح لها مخاطبة جمهور عالمي واسع وتقديم صورة لدولة تجمع بين الثروة والتنمية والطموح والانفتاح، وأسهم بذلك في تعزيز مكانتها وترسيخ حضورها على الساحة الدولية. ويمكن إدراج الخطوط الجوية القطرية وتطوير البنية التحتية للنقل والســياحة ضمن المنظور نفسه. فقد أسهم التوسع الكبير للناقلة الوطنية في ربط الدوحة بشبكة متنامية من المدن والأسواق، وحمل اسم قطر إلى وجهات متعددة عبر العالم، لتصبح إحدى قنوات التعريف بالدولة وتعزيز اتصالها بحركة الســفر والتجارة والســياحة الدولية. وتكامــل هذا الدور مع تطوير البنية التحتية للنقل والمنشــآت الســياحية والفندقية، التــي هيأت البيئة اللازمة لاســتضافة البطولات والمؤتمرات والفعاليات السياســية والاقتصادية والثقافية. وبذلك أســهم قطاعا النقل والســياحة في توسيع انفتاح قطر على العالم ودعم بقية أدوات حضورها الخارجي. وبالنظر إلى الأهمية الإســتراتيجية لهذه الأدوات نجدها تتحدد في تعاضدها داخل منظومة واحدة؛ فقد وفر الغاز القاعدة المالية، ووس ََّعت الاستثمارات شبكة المصالح، وعززت التحالفات الأمن، ومنحت الوســاطة قطر دورًًا دبلوماســيًًّا مميزًًا، وأنتجت الجزيــرة حضورًًا إعلاميًًّا عابرًًا للحدود، وبنى العمل الإنســاني روابط واســعة مع المجتمعات، ووسعت مؤسسات التعليم والثقافة والمؤتمرات دوائر الاتصال بالنخب الدولية، وخاطبت الرياضة جمهورًًا عالميًًّا واسعًًا، فيما عزز الطيران والسياحة اتصال الدوحة بالعالم. وأنتج تفاعل هذه الأدوات مجتمعة نفوذًًا تجاوز ما توحي به مساحة الدولة وحجم سكانها. وأســهم هذا التشــابك بين العلاقات السياسية والاقتصادية والإعلامية والإنسانية في تكوين عمق خارجي لقطر، قوامه شــبكة واســعة من المصالح والعلاقات مع الدول والمؤسســات والشركات والمجتمعات. ومنحت هذه الشبكة الدولة الصغيرة موارد إضافية لدعم أمنها وسيادتها واستقلال قرارها، وعززت اهتمام أطراف دولية متعددة باستقرارها واستمرار علاقاتها معها. وبذلك اكتسبت المكانة الدولية بُُعدًًا إستراتيجيًًّا، وأصبحت موردًًا يعزز الأمن ويوسع هامش الحركة السياسية. وفي المقابل، حمل اتســاع الدور معــه تحديات جديدة. فقد رفع الحضور القطري المتنامــي توقعــات الأطراف المختلفة من الدوحة، وزاد فرص تقاطع سياســتها مع

| 30

- 2010 مصالــح قوى إقليمية أكبر. وازدادت هذه التحديات مع الثورات العربية في ، حيــن أيدتها قطر، فكشــف هــذا التأييد عن إحدى معــضلات نفوذ الدول 2011 الصغيرة: اتســاع التأثير يوس ِِّع مجال الحركة، لكنه يرفع في الوقت نفسه كلفة الدور واحتمالات رد الفعل عليه. 2013 رابعًًا: استمرارية الإرث واختبارات ما بعد ، فرصة 2013 يتيح انتقال الحكم إلى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في يونيو/حزيران لاختبار مدى رسوخ التحولات التي شهدتها قطر في عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثانــي. فقد انتقلت إلى العهد الجديد دولة تمتلك قاعدة اقتصادية ومالية قوية، وبنية تحتية متطورة، وشــبكة واســعة من العلاقات الدولية، إلى جانب حضور دبلوماسي وإعلامي تجاوز نطاقها الجغرافي. وأصبح الســؤال، من منظور هذه الدراسة، متعلقًًا بقدرة هذه الموارد والمؤسسات على الاستمرار والعمل في ظروف مختلفة، وبالكيفية التي أعادت بها القيادة الجديدة توظيفها وتطويرها في مواجهة تحديات مرحلتها. وجاء الاختبار الأول بعد أقل من عام على انتقال الحكم، حين اندلعت، في مارس/ ، بسحب السعودية والإمارات والبحرين سفراءها " أزمة سحب السفراء " ، 2014 آذار من الدوحة على خلفية الخلاف حول عدد من توجهات السياســة القطرية. ومثََّلت الأزمة حلقة مهمة في مسار الخلافات الخليجية؛ إذ انتهت بعد جهود وساطة خليجية ، لكنها تركت وراءها 2014 إلى تســوية وعودة الســفراء، في نوفمبر/تشــرين الثاني .) 23 ( 2017 خلافات عادت بصورة أشد في عام استمرار استقلالية السياسة الخارجية القطرية بعد انتقال الحكم، 2014 وأظهرت أزمة بالتــوازي مــع حرص القيادة الجديدة على احتواء الــخلاف داخل الإطار الخليجي والاستجابة لجهود الوساطة. ومن هذه الزاوية، مثََّلت الأزمة اختبارًًا أوليًًّا للتوازن بين اســتمرار مرتكزات السياســة الخارجية التي تبلورت في المرحلة السابقة والأسلوب .) 24 الذي بدأت القيادة الجديدة في تطويره لإدارة التوترات الإقليمية( ، عندما قطعت السعودية 2017 وجاء الاختبار الأشد في الخامس من يونيو/حزيران والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر، وأُُغلقت الحدود البرية وفُُرضت قيود ثم قدمت الدول " أزمة الحصار " علــى الحركــة الجوية والبحرية، فيما عُُرف وقتها بـ

31 |

الأربع قائمة من ثلاثة عشر مطلبًًا، شملت إغلاق شبكة الجزيرة، وتقليص العلاقات مع إيران، وإنهاء الوجود العسكري التركي في قطر، إلى جانب مطالب أخرى. وبذلك ، وتحولت إلى 2014 تجــاوزت الأزمة نطاق الخلاف الدبلوماســي الذي ظهــر عام .) 25 مواجهة سياسية واقتصادية وأمنية وإعلامية واسعة( وتكتسب أزمة الحصار أهمية خاصة في تقييم استمرارية الإرث؛ لأنها وضعت معظم عناصــر القوة التي تراكمت خلال المرحلة الســابقة أمــام اختبار متزامن. فالقدرات الاقتصاديــة، والبنية التحتية، والاســتثمارات الخارجية، وشــبكة العلاقات الدولية، والأدوات الدبلوماسية والإعلامية، وفرت للدولة موارد متعددة للتعامل مع تداعيات الأزمــة وتقليــص آثار الحصار. كما أظهرت التجربــة أهمية الجمع بين موارد القوة الصلبة والناعمة في توســيع هامش حركة الدولة الصغيرة والتخفيف من القيود التي ). وبذلك اكتسبت هذه القدرات 26 يفرضها اختلال موازين القوة والجغرافيا السياسية( وظيفة إستراتيجية إضافية، جمعت بين بناء المكانة والنفوذ وتعزيز قدرة الدولة على الصمود وحماية استقلال قرارها. وظهر ذلك بوضوح في المجال الاقتصادي؛ فقد أدََّى إغلاق منفذ أبو سمرة -المنفذ البري الوحيد- واضطراب مســارات الاســتيراد إلى انكشاف بعض جوانب الاعتماد على الخارج، ولاســيما في الإمدادات الغذائية. واســتجابت الحكومة سريعًًا بتنويع مصادر الاستيراد ووسائطه، وفتح خطوط إمداد جوية وبحرية جديدة، والاستفادة من الطاقات الاستيعابية لمطار حمد وميناء حمد للوصول مباشرة إلى مصادر الاستيراد، بالتوازي مع توســيع القدرات التخزينية وتعزيز الأمن الغذائي والإمداد اللوجســتي. وتشــير معطيــات تلك الفترة إلى أن التراجع الأولي في الــواردات كان مؤقتًًا، وأن .) 27 حركة الاستيراد عادت إلى الارتفاع بعد تحويل مصادرها ومساراتها( وتكشــف هذه الاســتجابة عن العلاقة بين القدرات الموروثة والسياسات الجديدة. فالبنيــة التحتية والموارد المالية والقدرة المؤسســية المتراكمة وفرت قاعدة للتحرك الســريع، فــي حين أعادت القيــادة الجديدة توجيه هذه القــدرات لمعالجة مواطن الضعف التي كشفتها الأزمة، ولاسيما في الأمن الغذائي واللوجستيات وتنويع مصادر الاســتيراد. ومن ثم، كانت الأزمة مناســبة لاختبار ما تراكم من قدرات، وفي الوقت نفسه حافزًًا لتطويرها وتوسيع وظائفها.

| 32

وفي المجالين الأمني والدبلوماسي، ظهرت أهمية شبكة العلاقات التي نسجتها قطر مع قوى دولية وإقليمية مختلفة. وكانت العلاقة مع تركيا من أبرز الأمثلة؛ فقد استند التحــرك التركي خلال الأزمة إلى اتفاقية التعاون الإســتراتيجي الموقعة بين البلدين ، وســارعت أنقرة بعد اندلاع الأزمة إلى تســريع إجراءات تنفيذ التعاون 2014 عام العســكري وإرســال القوات، بالتوازي مع المســاهمة في توفير الإمدادات الغذائية .) 28 للسوق القطرية( وظهرت القيمة نفسها في العلاقات مع القوى الدولية والأسواق العالمية. فقد أسهمت المصالح الاقتصادية المتبادلة والاستثمارات القطرية في الاقتصادات الأوروبية، إلى جانب أهمية الغاز القطري لعدد من الاقتصادات الآسيوية الكبرى، في توسيع دائرة المصالح المرتبطة باستمرار علاقات هذه الدول مع قطر. كما حافظت الدوحة على علاقتها الإســتراتيجية مع الولايات المتحدة، مســتفيدة من رصيد من التعاون والثقة المتبادلة، وكان لهذه العلاقات أهمية في الحد من قدرة دول الحصار على عزل قطر، .) 29 وفي استمرار تدفقات الغاز إلى الأسواق الآسيوية من دون انقطاع أو اضطراب( وأظهرت الأزمة القيمة الإستراتيجية لشبكة العلاقات والمصالح التي بنتها قطر خلال المرحلة الســابقة. فقد أســهمت الشراكات الاقتصادية والسياسية والأمنية في توسيع البدائل المتاحة للدولة ومنحها مســاحة أكبر للحركة في وقت تعرضت فيه علاقاتها بمحيطها المباشــر لاضطــراب حاد. كما أتاح تنوع أدوات القوة، من الدبلوماســية والإعلام إلى الاستثمار والعلاقات الاقتصادية والقوة الناعمة، توظيف هذه الأدوات بصــورة متكاملة في إدارة الأزمة. وتُُبرز هذه التجربة أهمية تنويع العلاقات ومصادر القوة في تعزيز قدرة الدولة الصغيرة على مواجهة الضغوط وحماية استقلال قرارها. ، اختبارًًا مختلفًًا لطبيعة الاســتمرارية المؤسســية. 2020 وقد ََّمت جائحة كورونا، عام فالتهديد هذه المرة كان عالميًًّا وصحيًًّا واقتصاديًًّا، واستدعت مواجهته كفاءة الجهاز الحكومي والنظام الصحي، والقدرة المالية والتكنولوجية، والتنســيق بين مؤسســات الدولــة. وتكتســب الجائحــة أهمية خاصة فــي تقييم الإرث لأنهــا اختبرت كفاءة مؤسســات الدولة وقدرتها على العمل تحت الضغط في مجال يختلف عن السياسة الخارجية التي ارتبط تحولها في المرحلة السابقة بصورة أوثق بدور القيادة. وأظهرت الاســتجابة للجائحة مستوى من التنســيق بين القطاعات الصحية والأمنية والتعليمية والاقتصادية، مع المحافظة على استمرارية الخدمات العامة، والتوسع في

33 |

التعليم عن بُُعد، وتقديم الدعم للقطاعات الاقتصادية المتضررة، وتســريع اســتخدام الخدمات والمنصات الرقمية. وتعكس هذه الاستجابة ما راكمته الدولة من استثمار في المؤسســات والصحة والتعليم والبنية التحتية ورأس المال البشــري، وما شهدته هذه القطاعات من تطوير وتوســع في عهد الشيخ تميم. وقد أظهرت الجائحة قدرة هذه المؤسســات والموارد على العمل في مواجهة أزمة غير مســبوقة، وهو ما يعزز دلالة الاســتمرارية المؤسســية، مع احتفاظ القيادة الجديدة بدورها في تطوير هذه القدرات وإدارة الاستجابة وفق متطلبات المرحلة. حالــة مختلفة وأكثر وضوحًًا لاســتمرارية 2022 ويقــدم كأس العالــم لكرة القدم المشــروعات الإســتراتيجية عبر انتقال القيادة. فقد اُُختيرت قطر لتنظيم البطولة، في ، في عهد الشيخ حمد، ضمن توجه أوسع للاستثمار في 2010 ديسمبر/كانون الأول الرياضة وتعزيز الحضور الدولي للدولة، بينما جرى اســتكمال المشــروعات والبنية التحتيــة وتنظيم البطولة في عهد الشــيخ تميم. وبذلك يمثــل كأس العالم نموذج ًًا لمشــروع بدأ بخيار إســتراتيجي في عهد قيادة، ثم تحول إلى مشــروع دولة طويل الأجل استكملته مؤسساتها وقيادتها الجديدة. وتتجاوز دلالة هذه الحالة تنظيم البطولة نفســها إلى اســتمرارية توجه أوســع في صناعة المكانة. فقد تداخلت في المشروع الرياضة والبنية التحتية والطيران والسياحة والإعلام والخدمات، واســتدعى تنفيذه عمل قطاعات متعددة على مدى ســنوات. ويكشف الوصول به إلى نهايته بعد تسع سنوات من انتقال الحكم عن قدرة الدولة على حمل مشروع إستراتيجي كبير عبر مرحلتين سياسيتين، مع تطويره وإدارته وفق متطلبات المرحلة الجديدة. وتكشف هذه الاختبارات عن ثلاثة مستويات مترابطة لإرث الشيخ حمد. يتمثل أولها في الإرث الشخصي المرتبط بطبيعة قيادته وجرأة المبادرة والطموح إلى تجاوز قيود الدولة الصغيرة. ويتمثل ثانيها في الإرث المؤسســي الذي تجســد في ما ترسخ من مؤسسات وقدرات استمرت بعد انتقال الحكم وأمكن تطويرها وتوظيفها في مواجهة ظروف جديدة. أما ثالثها فيتمثل في الإرث الإستراتيجي وتصور مصادر قوة الدولة الــذي يقوم علــى إدارة الموارد وتوظيفها، وتنويع العلاقات الخارجية، واســتخدام الدبلوماسية والقوة الناعمة في صناعة المكانة وتوسيع هامش الاستقلال.

Page 1 Page 2 Page 3 Page 4 Page 5 Page 6 Page 7 Page 8 Page 9 Page 10 Page 11 Page 12 Page 13 Page 14 Page 15 Page 16 Page 17 Page 18 Page 19 Page 20 Page 21 Page 22 Page 23 Page 24 Page 25 Page 26 Page 27 Page 28 Page 29 Page 30 Page 31 Page 32 Page 33 Page 34 Page 35 Page 36 Page 37 Page 38 Page 39 Page 40 Page 41 Page 42 Page 43 Page 44 Page 45 Page 46 Page 47 Page 48 Page 49 Page 50 Page 51 Page 52 Page 53 Page 54 Page 55 Page 56 Page 57 Page 58 Page 59 Page 60 Page 61 Page 62 Page 63 Page 64 Page 65 Page 66 Page 67 Page 68 Page 69 Page 70 Page 71 Page 72 Page 73 Page 74 Page 75 Page 76 Page 77 Page 78 Page 79 Page 80 Page 81 Page 82 Page 83 Page 84 Page 85 Page 86 Page 87 Page 88 Page 89 Page 90 Page 91 Page 92 Page 93 Page 94 Page 95 Page 96 Page 97 Page 98 Page 99 Page 100 Page 101 Page 102 Page 103 Page 104 Page 105 Page 106 Page 107 Page 108 Page 109 Page 110 Page 111 Page 112 Page 113 Page 114 Page 115 Page 116 Page 117 Page 118 Page 119 Page 120 Page 121 Page 122 Page 123 Page 124 Page 125 Page 126 Page 127 Page 128 Page 129 Page 130 Page 131 Page 132 Page 133 Page 134 Page 135 Page 136 Page 137 Page 138 Page 139 Page 140 Page 141 Page 142 Page 143 Page 144 Page 145 Page 146 Page 147 Page 148 Page 149 Page 150 Page 151 Page 152 Page 153 Page 154 Page 155 Page 156 Page 157 Page 158 Page 159 Page 160 Page 161 Page 162 Page 163 Page 164 Page 165 Page 166 Page 167 Page 168 Page 169 Page 170 Page 171 Page 172 Page 173 Page 174 Page 175 Page 176 Page 177 Page 178 Page 179 Page 180 Page 181 Page 182 Page 183 Page 184 Page 185 Page 186 Page 187 Page 188 Page 189 Page 190 Page 191 Page 192 Page 193 Page 194 Page 195 Page 196 Page 197 Page 198 Page 199 Page 200

Made with FlippingBook Online newsletter