كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

يبحث الكتاب معضلة الفراغ الاستراتيجي والتجزئة (1971- 2018)) فيما يقوم بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من علاقات قبل إنشاء المجلس وبعد تأسيسه. كما يتناول مسارات التعاون والصراع في تلك العلاقات، وتطورها خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، ومطلع الألفية الثالثة، وكذلك العوامل المحلية والإقليمية والدولية التي أثَّرت وتؤثر فيها سلبيًّا أو إيجابيًّا. ويسعى الكتاب لمؤلفه، الدكتور محمد صالح المسفر، بصفة عامة إلى محاولة فهم العلاقات الخليجية-الخليجية وتقييمها في إطار التداخل بينها وبين السياسات الإقليمية والدولية ودراسة اتجاهاتها والبحث في مصير الدول الخليجية.

تأليف: عز الدين عبد المولى

.indd 1

12/01/2025 13:17

تأليف: عز الدين عبد المولى

تأليف: عز الدين عبد المولى تأليف: عز الدين عبد المولى

.indd 1

12/01/2025 13:17

هـ 1446 – م 2025 الطبعة الأولى: آذار/مارس

978-614-01-3782-0 ردمك

تــوزيــــع

جميع الحقوق محفوظة إصدار

الدار العربية للعلوم ناشرون م م ح مركز الأعمال، مدينة الشارقة للنشر

المنطقة الحرة، الشارقة الإمارات العربية المتحدة 0585597200 : – داخلي +971 585597200 : جوال )+961–21( 785107 – )+961–1( 785108 – 786233 : هاتف asp@asp.com.lb : البريد الإلكتروني http://www.asp.com.lb : الموقع على شبكة الإنترنت إﺻﺪار

اﻟﺘﻮزﻳﻊ ﰲ اﳌﻤﻠﻜﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ دار إﻗـــــﺮاء ﻟﻠـــﻨــﺸـــــﺮ

يمنـع نسـخ أو اسـتعمال أي جـزء مـن هـذا الكتـاب بأيـة وسـيلة تصويريـة أو إلكترونيـة أو ميكانيكيـة بمـا فيـه التسـجيل الفوتوغـرافي والتسـجيل ع ىل أشرطـة أو أقـراص مقـروءة أو أية وسيلة نشر أُخرى بما فيها حفظ المعلومات واسترجاعها، من دون إذن خطي من الناشر.

7 ............................................................................. مقدمة 17 . ........................................ الفصل الأول: انتقال ديمقراطي متعثر 19 . ......................................... . الانتقال الديمقراطي: إطار نظري 1 22 . .................................................... . سياقات المسار الانتقالي 2 22 . ........................................................ أ- السياق الوطني 23 . ....................................................... ب- السياق العربي 24 . .............................................. ج- السياق ما بعد كولونيالي 25 . ................. . في الاستثناء الديمقراطي عامة والاستثناء التونسي خاصة 3 29 . ........................ . مؤسسات الانتقال الديمقراطي ومحطاته الرئيسية 4 30 . ............................................... - هيئة تحقيق أهداف الثورة 31 . ....................................................... - المجلس التأسيسي 33 . ........................ وتجديد أسس التعاقد الاجتماعي 2014 - دستور 38 . ............................................... - انتخابات دورية منتظمة 43 . ......................................... - مشهد حزبي متحرك ومتجدد 46 . .................................. - الثقافة السياسية والثقافة الديمقراطية 48 . ..................................... - العدالة الانتقالية: المسار والمؤسسة 53 . .................................................... . حدود الانتقال ومآزقه 5 55 . ........................................................... - نخبوية المسار 55 . ............................................................. - يُُتْْم التجربة 56 . ................................................. - هشاشة المنجز السياسي 57 . ......................................................... - الثغرة الحاسمة

3

57 . ....................................... - ارتباك المرفق الحكومي وعطالته 58 . ................................... - من تعطيل الحكومة إلى شل البرلمان 58 . .......................................................... - أيادي الرئيس الــفــصل الـثـانـي: الـنـخـبة ودورهـا المـزدوج في الانـتـقال الـديمقراطي وفي 61 . ................................................................. الانقلاب عليه 66 . .......................... . النخبة والانتقال الديمقراطي: ديناميكية التوافق 1 67 . .......................................... ونقل السلطة " المنعطف " . التوافق 2 70 . ................................................. . حوارات ما قبل التأسيس 3 73 . ................................... . التوافق الوطني في إطار مبادرة الرباعي 4 74 . .............................. . توافقات سياسية متغيرة وإخفاق إستراتيجي 5 78 . ........................................................ . نخبة تونسية جديدة 6 83 . ..................... الفصل الثالث: الإسلاميون.. عقدة الانتقال الديمقراطي 85 . ............................................ . رحيل السجان وتحرر السجين 1 91 . ................................ . النزول إلى السلطة بدلا من الصعود إليها 2 92 . ........................................... . شعبية واسعة أمام اختبار الحكم 3 98 . ............................................................... . سلطة شكلية 4 105 .................................................. . الإسلاميون والديمقراطية 5 109 ....................... الفصل الرابع: اتحاد الشغل والوجه الآخر لجائزة نوبل 112 ............................. . النقابي والسياسي: شراكات وعلاقات متقلبة 1 113 .......................................... . الاتحاد والثورة: انخراط محسوب 2 116 ........................ . من سقوط ابن علي إلى انتخاب المجلس التأسيسي 3 117 ..................... . الترويكا والمجلس التأسيسي: الأزمة والحوار الوطني 4 122 ................................ . الاتحاد وحكم نداء تونس: تخفيف الضغط 5 124 .................. . الاتحاد والانقلاب: مساندة مشروطة أم تموقع خاطئ؟ 6 4

5 127 ................................... الفصل الخامس: الإعلام والفرص المهدورة 129 .............................................................. . مدخل نظري 1 134 ................................... . إعلام ما قبل الثورة: المنظومة والسياسة 2 137 ........ ر البيئة وثبات المنظومة . الإعلام وعشرية الانتقال الديمقراطي: تغيُّر 3 137 ....................................... - تغيير الإطار التشريعي والتنظيمي 140 ........................... - الممارسة الإعلامية في ضوء المقاربات النظرية 147 ...................................... - عجز ذاتي في بيئة موضوعية محفِِّزة 148 ............................... " الكرنكة " . تهاوي الصحافة وصعود ظاهرة 4 151 ............................... . فشل مزدوج: إصلاح القديم وبعث الجديد 5 152 ............................................... من جديد " دوامة الصمت " . 6 : محاولة للفهم وإسهام في " المسؤول الكبير " الفصل السادس: الدولة العميقة أو 155 ......................................................................... النقاش 157 ............................................................. . جدل التعريف 1 161 ........................................................... . النشأة والانتشار 2 163 ............................... . اتجاهات النقاش في موضوع الدولة العميقة 3 167 ......................................... . الدولة العميقة في السياق التونسي 4 177 .......................... الفصل السابع: العامل الخارجي: مواقف وسياسات 180 ..................................... . المواقف الدولية والإقليمية من الثورة 1 187 ........................... . العامل الخارجي في مسار الانتقال الديمقراطي 2 193 .......................................... " خطر النموذج الجديد " . مواجهة 3 197 ......................... . ما بعد الانقلاب: ضغط محسوب ومساندة فاعلة 4 203 ........ الفصل الثامن: عودة الديمقراطية: شروط إمكانها وعوامل استدامتها 206 ........................................... . استئناف أم دمقرطة من جديد؟ 1 207 .......................................................... . عوائق الاستئناف 2

208 ....................................................... . الدمقرطة من جديد 3 210 ....................................... . شروط ومتطلبات إعادة الدمقرطة 4 217 ................................................................... قامة المراجع

6

انتقالا ديمقراطيا بعد ثورة شــعبية 2021 و 2011 عاشــت تونس بين عامي في ســياق تونســي وعربي مأزوم. ولم تكن التجربة التونســية الانتقالية، رغم خصوصيتها، بدعا من الانتقالات التي حصلت في أنحاء كثيرة من العالم، شرقه وغربه. فقد سلكت طريقا مشابهة لكثير من التجارب، وتعرضت لمقاومة شرسة من الداخل والخارج، لم تهدأ إلى أن توقفت التجربة بانقلاب تهيأت له الأرضية بسلســلة من الأخطاء ارتكبها وتواطأ عليها شــركاء المسار. الغريب أن من نفََّذ الانقلاب هو رأس الســلطة المنتخب ديمقراطيا، والذي جيء به لحماية النظام الديمقراطي ورعاية القواعد والمواثيق التي قام عليها، وعلى رأســها الدســتور والمؤسسات المنتخبة. في الأنظمة السياســية، يحدث التغيير بعدة صيغ، منها الحرب والاحتلال والانفصال والانقلابات العســكرية والثورات الشــعبية. وقد يكون التغيير نتيجة لجهود إصلاحية سلمية تفضي إلى توافق النخب على شكل النظام الذي تسعى إلــى إقامته. ويعكس أســلوب التغيير، في أغلب الأحيــان، طريقة الانتقال بين نظامين، فيعســر أن يؤدي انقلاب عســكري إلى إقامة الديمقراطية، أو إصلاح سياسي إلى حكم ديكتاتوري. وقد ارتبطت الثورات الشعبية، عموما، وفي العصر الحديــث خاصة، بإقامة أنظمــة ديمقراطية انتقلت إليها عبر مســارات تختلف . " الانتقال الديمقراطي " وتتشابه، ولكنها تلتقي كلها تحت ما يعرف بـ لقد أنتج تراكم البحث في هذه التحولات أدبا سياسيا ثريا بعضه تخصص في حالات بعينها، وبعضه قارن بين عدة حالات وسياقات، فاستخلص التشابهات ووقف عند المشــتركات ووضع جملة من القواعد والمعايير التي تجتمع، كلُُّها أو جلُُّها، في مسارات تفضي إلى الانتقال إلى الديمقراطية. من أحدث الأدبيات التي تركزت حول مسارات انتقالية بعينها في العالم العربي، كتاب هشام العلوي . فرغم اشتراك الحالتين في الربيع ((( الذي قارن فيه مؤلفه بين حالتي تونس ومصر

(1) Alaoui , Hicham , Pacted Democracy in the Middle East : Tunisia and Egypt in Comparative Perspective , Palgrave McMillan , 2022 .

7

العربي ســياقا ومنطلقا، اختلف المســاران بعد ذلك حد التناقض، قبل أن يلتقيا من جديد بعد عشر سنوات حاول خلالها المسار التونسي، الذي بدا ناجحا في بدايته، أن يحافظ على خصوصيته واستثنائيته. من خلال تتبعه وتحليله لمساري تجعل الديمقراطية في " براغماتية " هاتيــن الحالتين، خلص العلوي إلى صيغــة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي عامة أمرا ممكنا. وأحد شروط ذلك الإمكان تجاوز النقاشات غير المجدية بين الإسلاميين والعلمانيين حول المسائل التي لا يمكن الوصول فيها إلى حل نهائي، مثل العلاقة بين الديني والسياسي، والبحث بدلا من ذلك، عن شروط العيش المشترك. ولا يحصل ذلك إلا بتسوية ضرورية يحفظ البقاء للجميع، ويجنِِّبهم الحروب الأهلية الســاخنة " ميثاق " على أســاس والباردة، ويمك ِِّنهم من بناء نظام سياســي يتعايشــون فيــه ويحققون من خلاله مصالحهم المشتركة. للعربي صديقي وليلى صلاح، بعنوان 2024 الكتاب الثاني، صدر في العام . في هذا الكتاب يعالج المؤلِّّفان العلاقة بين ((( " الثورة والديمقراطية في تونس " الثورة والديمقراطية ويضعان الثورة التونســية في سياق تاريخ احتجاجي طويل يعود إلى ســتينات القرن التاسع عشر، مع ثورة علي بن غذاهم. يحلل صديقي وصلاح ديناميكيــة هــذا التاريــخ الاحتجاجي في ســياق ديناميكية أخرى هي ديناميكية الإصلاحات الدســتورية، التي تطورت معها علاقة الحاكم والمحكوم على مدى قرن ونصف القرن من الزمن. فالثورة التونسية، بهذا المعنى، لم تبدأ . " الثورة " و " الحراك " ، لأن جذورها بعيدة ومظاهرها متقلبة بين 2011 في العام وفي كل الأحوال، ثمة خيط ناظم لتلك الحراكات والثورات، يربط بينها ويحقق " تحت " لها الاستمرارية ويجعل عملية التغيير والدمقرطة فعلا تراكميا يصعد من . وبالتالي، فإن حركة التقدم والتراجع في المسارات الديمقراطية ينبغي " فوق " إلى أن تُُفهم في هذا الإطار الديناميكي المستند إلى عمق تاريخي موثََّق. فــي ضوء هذه الديناميكية، يمكن أن نفهم لماذا لا تكون حالات الانتقال الديمقراطــي كلها ناجحة. فكثير منها فشــل وتراجــع الوضع إلى ما كان عليه،

(1) Sadiki , Larbi and Saleh , Layla , Revolution and Democracy in Tunisia : A Century of Protestscapes , Oxford University Press , 2024 .

8

وأحيانا أدى الانتقال إلى وضع أسوأ مما كانت عليه الحال في السابق. يُُضاف إلــى ذلك، أن مســارات الانتقال الديمقراطي لا تخلــو من المقاومة، وغالبا ما ترافقها مســارات أخرى تعارضها في الاتجاه وتســعى إلى إفشــالها ومنعها من تحقيق أهدافها. فيتحول المســار الانتقالي عن وجهته أو يتعطل في مســيرته أو ينتهي شكلا فارغا من أي محتوى تغييري. متســلحا بالإطار النظري الذي توفره أدبيــات الانتقال الديمقراطي، يتركز اهتمام هذا العمل على مســار الانتقال الديمقراطي في تونس، الذي انطلق في ، فيضعه في ســياقاته المحلية والإقليمية، 2021 وتوقــف في العام 2011 العــام ويســتعرض محطاتــه الرئيســية، ويراجــع أدوار الفاعلين فيــه مراجعة نقدية، ويستخلص دروسه من أجل إعادة بناء ديمقراطية مستدامة. جدل المفاهيم والتسميات يتبنى المؤلف في هذا الكتاب ثلاثة مفاهيم أساسية تنتظم فصوله الثمانية، وهي مفاهيم جدلية بصورة عامة وإشــكالية في ســياقها التونســي تحديدا. هذه . فرغم اعتماد " الانــقلاب " و " الانتقــال الديمقراطي " و " الثورة " المفاهيــم هي ) أو في 2022 و 2014 مفهوم الثورة رســميا، ســواء على الصعيد الدســتوري ( الخطب والمناســبات الشعبية والرســمية، لا يزال الباحثون يختلفون في تسمية يناير/كانون 14 و 2010 ديســمبر/كانون الأول 17 الأحــداث التي جــد ََّت بين ، إن كانت ثورة أم انتفاضة شــعبية أم مجرد حركة احتجاجية وقع 2011 الثاني توظيفها سياسيا. تبنِّّي مفهوم الثورة هنا يستند إلى قراءات في التاريخ والاجتماع وحركات التحرر والتغيير. ويســتند في السياق التونسي، على وجه الخصوص، إلى إســهامات قامات فكرية وأكاديمية أمثال الفيلســوف أبو يعرب المرزوقي . ((( والمؤرخ هشام جعيط ورجل القانون، عياض بن عاشور انظر على ســبيل المثال: المرزوقي، أبو يعرب، اســتئناف العرب لتاريخهم الكوني: ثورة الحرية ((( ، وابن عاشور، عياض، 2012 والكرامة، مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم - ناشرون، . انظر أيضا 2018 ثورة في بلاد الإسلام، ترجمة فتحي بن الحاج يحيى، دار سراس للنشر، تونس ، 21 جعيط، هشام، حوار مع كمال بن يونس بعنوان الثورات العربية ستنتصر ولو بعد حين، عربي . 2019 مارس/آذار، بيروت 1

9

ولا يقــل مفهــوم الانتقال الديمقراطي جدلية. فرغم رســوخه في تجارب الدول وفي الأدبيات الأكاديمية، اكتنفته في الســياق التونسي استقطابات حادة، وأعقبته. خلال 2021 يوليو/تموز 25 خاصة في الســنوات الأخيرة التي سبقت هذه الســنوات، تعرض مفهوم الانتقال الديمقراطي إلى تشــويه مركََّز وتعددت " عشرية الفشل " و " العشرية السوداء " الأسماء التي أُُطلِِقت على عشريته، من قبيل ، وما يتصل بذلك القاموس من نعوت بالفســاد ونهب المال " وعشــرية الخراب العــام وتبديــد الخيرات واحتكار الموارد وتجويع الشــعب. هنا، يعيد المؤلف مفهــوم الانتقال الديمقراطي إلى موقعــه المركزي باعتباره المحور الذي دارت ، وما نشأ خلالها من أفكار 2021 - 2011 عليه حركة الحياة السياسية أثناء عشرية وحوارات وتوافقات ومؤسســات. ولا يعني تبني هذا المفهوم واستخدامه دون تحفظ، التقليل، بأي حال، من حجم الصعوبات التي واجهت المسار الانتقالي، . ((( وما اعترى تلك الفترة من تعثُّّرات وتراجعات وفشل بيِِّن انقلاب أم تصحيح مسار؟ جدل آخر حول مفهوم أساسي لحدث مفصلي ختم الفصل الأخير من فصول المســار الانتقالي. ورغم البون الشاســع الذي يفصــل بين الانقلاب وتصحيح المســار على مســتوى المفهــوم والإجراء في المجال السياسي، لا يزال الخلط بين الاثنين سائدا. ولعل مبعث الخلط هو ما جرت به العادة في كثير من البلدان التي شــهدت انقلابات من تعم ُُّد الربط بين المفهومين لتغطية الوجه السلبي للانقلاب بتسويغات لغوية وأوصاف تحسينية. فالانــقلاب على الديمقراطية يأتــي في الأصل لإلغائها لا لتعزيزها، فيضع حدا لمجمل الممارسات التي ترتبط بالنظام الديمقراطي من قبيل الانتخابات الدورية النزيهة، والتنافس الحزبي التعددي، والشــراكة السياســية وحكم المؤسســات، والتداول السلمي على السلطة، وحرية الإعلام والتعبير والتنظم. وذلك تحديدا مــا جرى فــي تونس؛ حيث تدخلت الآلــة العســكرية لإغلاق البرلمان ومنع نواب الشــعب المنتخبين من دخوله وممارسة مهامهم؛ فأفسحت بذلك المجال لإلغاء العمل بالدســتور، وانتصاب حكم الفرد بسلطات مطلقة لا رقيب عليها، لمتابعة النقاش حول هذا الموضوع، يمكن العودة إلى محاضرة آمال قرامي في مؤسســة ((( ، المنشــور في 2023 يونيو/حزيران 10 ، بتاريخ " العشــرية الســوداء " التميمي عن خطاب من نفس الشهر. 11 جريدة الصريح أون لاين بتاريخ

10

وإعادة تشكيل النظام السياسي برمته. لا شك أن لكل تسمية خلفياتها ورهاناتها وأجنداتهــا وحواملها الفكرية والسياســية والأخلاقية، لذلك يســتخدم المؤلف ، أداة للتحليل 2021 يوليو/تموز 25 مفهــوم الانقلاب لتوصيف ما حدث فــي وزاوية للرؤية، دون خلط أو مخاتلة أو تحسين، وعيًًا منه بأن جدل التسمية، وإن كان في ظاهره اختيارا لغويا، إلا أنه في العمق صراع ســرديات يتصل بترســيخ رواية مقابل رواية في إطار السعي لكتابة التاريخ. حاولنــا فــي هذا الكتاب الجمــع بين عدة أغراض منهــا قراءة الأحداث وفهمها، وتفسير المسارات وتحليلها بربط الأسباب بنتائجها، ومراجعة الخيارات والتحيزات والأدوار مراجعة نقدية، واستشــراف ما بعد هذه المرحلة من تاريخ تونس، فهي لابد أن تنقضي، وعلى الأغلب ستعود الديمقراطية وستكون أصلب وأثبت. وقد يجد القارئ بين دفتيه مرافعة عن عشرية الانتقال الديمقراطي، فهي تســتحق المرافعة. وقد يجد فيه آخرون جلدا للذات أو نقدا لاذعا لطرف بعينه أو تصفية حســاب مع خيار أو توجه، فالنقد مطلوب والمراجعة ضرورية. وقد يجد فيه آخرون نقصا في الإحاطة وميلا دون مسوّّغ وأخطاء في القراءة وفي رد النتائج إلى أســبابها، فذلك من أعمال البشــر نعترف به ونعتذر عنه. ح ََس ْْب هذا الجهد المتواضع أن يُُسهم في تقديم صورة أو جزء من الصورة عن حدث كبير، وتوثيق تجربة لا تتكرر كثيرا في سياق إقليمي يعاند التغيير، وتسليط الضوء على زاوية قد تكون معتمة، والإمساك بلحظة من لحظات تاريخنا العربي والإسلامي على غاية من الأهمية، وفتح المجال بعد ذلك لمراجعات جدية عميقة وشاملة. فهذا الجيل شــاهد شــهادة حضور ومعايشــة ومعاينة، قــد لا يهمه الكثير من التفاصيــل الواردة في الكتــاب، وقد يختلف معها اختلافا جزئيا أو كليا. ولكن الأجيال القادمة ســتكون في حاجة إلى روايات متعددة، تســاعدها على الفهم وتفسح أمامها المجال للمقارنة والتمييز. في الخلاصة، وبعد مراجعة مسار الثورة التونسية وأدوار الفاعلين فيها وفي المرحــة الانتقالية مراجعة نقدية، يمكن القول دون مبالغة: إن عشــرية الانتقال ، بإنجازاتها وإخفاقاتها، 2021 و 2011 الديمقراطي التي عاشتها تونس بين عامي تمثل ذروة ما وصل إليه الاجتماع العربي الحديث على صعيد الإدارة السياسية التشاركية السلمية للشأن العام.

11

فصول الكتاب يبدأ الكتاب بفصل أول مطو ََّل يســتعرض التطورات التي شــهدتها عشرية الانتقال الديمقراطي في عمومها، ويلقي الضوء بقدر من التفصيل، على محطاتها ومراحلهــا الأساســية. فيضع التجربة التونســية في إطار الجــدل النظري حول الانتقال الديمقراطي، وفي ســياقها الوطني والعربي بمختلف أبعاده وتعقيداته. ويقــف على مراحل العشــرية ومنعرجاتها الكبرى، بــدءا من الحوارات الأولى التي وضعت الإطار العام للمســار الانتقالي إلى حدوث الانقلاب وغلق قوس الديمقراطية الناشــئة. خلال هذه المراحل، نشأت مؤسسات وصدرت نصوص وجرت انتخابات وتغير المشهد العام كثيرا وشهدت تونس حركية سياسية وحزبية غير مســبوقة مع بداية نمو واتســاع نطاق الثقافة السياسية المدنية. في المقابل، تراكمت الأخطاء وانقســمت النخب وغلبت الحســابات الضيقة على المصلحة العامة، ما خلق بيئة هشة لاستفحال الأزمات التي وجد فيها الرئيس قيس سعيد مبررا للانقلاب على التجربة وإعادة تشــكيل النظام السياسي وفق أفكار ورؤى فردية أبعد ما تكون عن الديمقراطية وقيمها التشاركية. لمراجعــة أدوار الفاعلين في مســار الانتقــال الديمقراطي، يتناول الفصل الثاني، بقدر من الإجمال، دور النخبة، فيحلل أداءها تحليلا نقديا. يغوص هذا الفصل في الأدبيات التي تناولت أدوار النخب في الأوضاع الانتقالية، للاستفادة من دروسها وقراءة أداء النخبة التونسية في ضوئها. ومن خلال استعراض أبرز مراحل المســار الانتقالي، يتضح أن الدور الذي لعبته النخبة افتقد للانســجام والاتســاق؛ فقد تمكنــت تلك النخبة، من خلال توافقاتهــا وتفاهماتها وتقديم المصلحة المشــتركة على خلافاتها السياسية والفكرية، من التأسيس لديمقراطية ناشئة ورسم خارطة طريق نجحت إلى حد كبير في وضع لبنات نموذج سياسي تشــاركي قابل للحياة. كان ذلك في المراحل المتقدمة من التجربة، ولكن في المراحــل المتأخــرة، انقلب ذلك الدور من إيجــاد الحلول إلى خلق الأزمات وتعطيل المسار بدل دفعه. في الخلاصة، يمكن القول: إن النخبة التونسية، بكل أطيافها، أســهمت في إفشال الانتقال الديمقراطي وفي تهيئة الأرضية للانقلاب عليه، بعد نجاحها في المرحلة الأولى في دفعه إلى الأمام.

12

في ســياق تحليل أداء الفاعلين الأساســيين في المســار الانتقالي، يراجع الفصل الثالث أداء الإسلاميين في الســلطة باعتبارهم أحد أبرز القوى السياسية الفاعلة في تلك المرحلة. يستعرض هذا الفصل الوضع الذي كانت عليه حركة النهضة قبل الثورة، على المستويين السياسي والإنساني، في محاولة لفهم تأثير ذلك الوضع على الطريقة التي أدارت بها الحركة السلطة، حين قادت الحكومة مثلث الخوف والعجز " وحين شــاركت فيها. في هذا الإطار، يعتبر المؤلف أن كـ َم، إلى حد بعيد، في الســلوك السياســي للإسلاميين، فوج ََّه � تح " والعطالــة ممارســتهم وقادهــم لارتكاب سلســلة من الأخطاء، كان لهــا بالغ الأثر على فشــل المســار الانتقالي. في الأخير، يتطرق هذا الفصل إلى علاقة الإسلاميين " عقدة الانتقال الديمقراطي " بالديمقراطية، فكرا وممارســة، ليخلص إلــى أنهم وشــرط دمقرطة تونس في الآن ذاته. فقد بيََّنت التجربة أن الديمقراطية نشــأت بمشــاركتهم وذهبت بذهابهم وستكون عودتها، على الأغلب، مرهونة بعودتهم فاعلا أساسيا. الفصل الرابع يتناول دور فاعل أساســي آخر، هو الاتحاد العام التونســي للشغل. فقد ظلت هذه المنظمة النقابية منذ تأسيسها لاعبا سياسيا، وكانت منذ الاســتقلال قريبة من الحكم، شــريكة ومعارِِضة. ولم يختلف دورها كثيرا بعد الثــورة، فقد كانت مؤثرة في مختلف مراحل المســار الانتقالي، ولعبت أدوارا متقدمة في توجيهه عبر المشــاركة من داخل المؤسسات والضغط من خارجها. يســتعرض هذا الفصل بعضا من إســهامات الاتحاد في هذه العشرية، الإيجابي 2013 منهــا والســلبي، مثل قيادته للحوار الوطني ومســاعدته علــى حل أزمة السياســية الخانقة، وشنِِّه عشرات الآلاف من الإضرابات القطاعية التي كان لها أثــر مدمِِّر على الاقتصاد الوطني منعه من تشــكيل رافعــة اقتصادية واجتماعية ضرورية لنجاح الانتقال الديمقراطي. وحين جرى إيقاف المســار الديمقراطي، اختارت قيادة الاتحاد الاصطفاف إلى جانب الانقلاب، تدعم مســاره وتطالب . " اليوم التالي " قيادته بإشراكها في ترتيبات لــم يكن دور الإعلام في عشــرية الانتقــال الديمقراطي أقل أهمية وتأثيرا من أدوار الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في مؤسسات الحكم. أداء الإعلام هــو موضوع الفصل الخامس، الذي يحاول فهم وظيفة الإعلام العمومي وكثير

13

من وســائل الإعلام الخاصة خلال هذه العشــرية. يستفيد هذا الفصل من عدد " تحديد الأجندة " مــن المقاربات التي توفرها نظريــات الإعلام والاتصال مثل لوضع تلك الممارســات الإعلامية في " التأطير الإخباري " و " حراســة البوابة " و إطارهــا النظــري. حاولنا تطبيق هذه المقاربــات، المتكاملة رغم تعددها، على ثلاث فترات متباينة، ما قبل الثورة وأثناء المســار الانتقالي وما بعد الانقلاب. فتبين أنه رغم تغيُُّر البيئة السياسية والتشريعية التي عمل ضمنها الإعلام، كانت ممارساته، في عمومها، أقرب إلى الثبات منها إلى التطور، وأن مقاومته للإصلاح وعجزه عن الاستفادة من مناخ الحرية الذي أتاحته الثورة جعلت منه أداة سلبية أسهمت بفاعلية في إفشال المسار الديمقراطي. الفصل السادس يناقش موضوعا شائكا، تحف به صعوبات منهجية تجعل الخــوض فيــه يتطلب الكثير مــن الحذر، هو الدولة العميقــة. فالدولة العميقة باتــت مــن المفاهيم التي تتــردد كثيرا في النقاش السياســي خاصة بعد توقف عن الجميع تُُعد لدى الكثيرين " خفائها " مسار الانتقال الديمقراطي. فهي، رغم لاعبا أساسيا، بل حاسما في ترتيب الأوضاع وتحديد الخيارات لإمضاء إرادتها وتنفيذ أجندتها. وليست الدولة العميقة شأنا تونسيا خالصا وليس النقاش في هذا الموضوع محصورا في التجربة التونســية. فقد نشــأ هذا المفهوم منذ تسعينات القرن الماضي في السياق التركي، ثم اتسع نطاق استخدامه بعد وصول الرئيس ترامب إلى الحكم في أميركا، قبل أن يعاد اكتشافه مع تعطل المسارات الانتقالية في بلدان الربيع العربي، لاسيما في مصر. في سياق الجدل حول وجود الدولة على " الخارقة " العميقة من عدمه، وحول طبيعة أدواتها وأساليب عملها وقدرتها حســم الأمــور لمصلحتها، يحاول هذا الفصل تلمــس الخطوط التي يمكن أن ترسم لنا صورة ولو غائمة للدولة العميقة في تونس ولدورها في توجيه المسار الديمقراطي. في بيئة لا تزال محكومة بإستراتيجيات ما بعد الاستعمار، وفي عالم متداخل تتقــارب أطرافه في إطار عولمة الاقتصاد والأمن والسياســة والثقافة والإعلام، لا يمكــن فهم الأوضاع الداخلية للبلدان دون الرجوع إلى الســياقات الإقليمية والدولية. هذا ما يحاول الفصل الســابع تقديمه من خلال رصد وتحليل الدور

14

الذي لعبه العامل الخارجي في المســار الانتقالي. يســتعرض هذا الفصل، في جزئه الأول مواقف الدول والكتل الإقليمية المؤثرة في تونس من الثورة. ويحلل في جزئه الثاني سياســاتها خلال عشرية الانتقال الديمقراطي. وينتهي في جزئه الثالث باستقراء علاقاتها بالانقلاب الذي وضع حدا لهذا المسار. ومثلما اختلف دور العامل الخارجي من الثورة، اختلف كذلك من مســار الانتقال الديمقراطي ومن الانقلاب عليه، دعما وتأييدا أو ضغطا واعتراضا. وكان من أبرز الفاعلين الخارجييــن، ما أصبح يُُعرف بالثورة المضادة بقواها الإقليمية ومواردها المادية " يهدد " والإعلامية الضخمة وخوفها من أي تغيير يؤســس لنموذج سياســي قد استقرارها. بعد ثلاث ســنوات من الانقلاب وحكم ســعيد المنفرد وإقصاء معارضيه كافة وتجميد الأجســام الوســيطة من أحزاب ومنظمات وهيئات مدنية، ازدادت التحديات على كل صعيد. ولم يفلح الخطاب السياســي الشــعبوي القائم على شــعارات محاربة الفساد وضرب الاحتكار واسترجاع السيادة الوطنية واسترداد الأموال المنهوبة أن يقدم حلولا لمن ســاندوا الانقلاب وانخرطوا في مشروعه وعلقوا عليه آمالا في الإصلاح والتغيير. كل المؤشرات تفيد بأن مشروع سعيد في الحكم لا يتوفر على شروط الاستدامة وأن موجة ثانية من الديمقراطية غير مســتبعدة. يناقش الفصل الثامن والأخير إمكانية عودة الديمقراطية، ســواء على سبيل استئناف تجربة الانتقال الأولى أو على شكل موجة ثانية جديدة. وبما أن استئناف التجربة السابقة من حيث انتهت يبدو صعبا لعدة أسباب، فالأرجح هو كما يُُعرف في الأدبيات المتخصصة " إعادة الدمقرطة " الدمقرطــة مــن جديد أو في هذا المجال. هنا، يقدم الفصل الختامي عددا من المتطلبات والشروط لعودة الديمقراطية أولا، واستدامتها ثانيا، حتى لا تلقى ذات المصير الذي لقيته عشرية الانتقــال الديمقراطي. فحركــة التغيير، حتى وإن تعثرت أو تعطلت أو توقفت، من شــأنها أن تتجدد. في هذا الباب، تقدم لنا الثورة الســورية، التي نجحت في ، بعد أربعة عشر عاما 2024 إسقاط نظام عائلة الأسد في ديسمبر/كانون الأول على انطلاقها، درسا عظيما.

15

شكر وتقدير هذا الكتاب حصيلة معايشة وملاحظة ذاتية، وقراءات وحوارات ومقابلات مع شــخصيات، بعضهــا من أصحاب الرأي والمعرفــة وبعضها كان فاعلا في المؤسســات ومنخرطــا في مســار الانتقــال الديمقراطي في مواقــع مختلفة. بعض هؤلاء وردت أســماؤهم في هوامش النص ومراجعه، وبعضهم لم تذكر أسماؤهم. لهم جميعا جزيل الشكر والتقدير، والشكر موصول أيضا لكل من قرأ فصــول مخطوطة الكتاب، كلها أو بعضها، وزو ََّدني بمعلومة أو تعليق أو تدقيق أو تصحيح. وأخيرا، أرجو أن أكون قد اجتهدت ولم أقص ِِّر، وعدلت ولم أظلم، وتوخ ََّيت الحق ما استطعت، وبالله التوفيق. 2025 يناير/كانون الثاني

16

الفصل الأول انتقال ديمقراطي متعثر

        

. الانتقال الديمقراطي: إطار نظري 1 يحفل حقل دراســات الديمقراطية وتحولاتهــا بالأطر النظرية والمقاربات التي تحاول فهم المسارات وتقارن بين التجارب وتستخلص القواعد والدروس. مــن أبرز المقاربات النظرية لموضوع التحــول الديمقراطي، المقاربة التحديثية والمقاربة البنيوية والمقاربة الانتقالية. في المقاربة التحديثية، يشــكل التحديث والنمو الاقتصادي والاجتماعي نقطة الارتكاز، باعتباره شــرطا ضروريا للتحول )، أبرز رواد هذه Seymour Lipset الديمقراطي. ويُُعد ســيمور مارتن ليبســت ( المقاربة، التي وضع أسسها في دراسة مقارنة نشرها في خمسينات القرن العشرين، وشملت عددا من البلدان الأوروبية، إلى جانب البلدان الناطقة بالإنكليزية مثل كندا والولايات المتحدة وأســتراليا. في تلك الدراسة، خلص ليبست إلى نتيجة كلما كان الوضع المادي لبلد أفضل كانت قدرته " حــاول تعميمها، مفادها أنــه Larry . في وقت لاحق، قام لاري دايموند ( ((( " على إقامة نظام ديمقراطي أكبر كلما كان الوضع المادي لشعب معين " )، بتنسيب هذا الحكم بقوله: Diamond . ((( " أفضل كان، على الأغلب، أكثر ميلا لتحقيق الديمقراطية وترسيخها في بلاده في هذه المقاربة، لا نجد لفاعلين بعينهم، دورا بارزا في عملية التغيير، فالتغيير نتيجــة طبيعية وشــبه حتمية للتطور الاجتماعي وتراكــم النمو الاقتصادي وفق مؤشرات يمكن قياسها وتوقع نتائجها. من داخل المقاربة التحديثية برز في ســتينات القرن الماضي تيار ثقافوي دفــع باتجاه التركيــز على الثقافة والتعليم باعتبارهما عاملين من عوامل التحول إلــى الديمقراطية. فارتفــاع المؤشــرات الاقتصادية والاجتماعيــة يحمل معه بالضرورة مستوى تعليميا متقدما ويسمح بنشر نمط من الثقافة يكون أقرب إلى . بهذا المعنى، لا يمكن للمجتمعات التي لم تصل إلى ((( تبني القيم الديمقراطية (1) Lipset , Seymour M ., ‘ Some Social Requisites of Democracy : Economic Development and Political Legitimacy ’, The American Political Science Review , Vol . 53 . No . 1 , 1959 , p . 75 . (2) Diamond , Larry , ‘ Economic Development and Democracy Reconsidered , American Behavioral Scientist , Vol . 35 No . 4 / 5 , 1992 , p . 468 . (3) Gabriel A . Almond and Sidney Verba , The Civic Culture : Political Attitudes and Democracy in Five Nations , Princeton University Press , 1963 .

19

درجــة معينة من التحديث، ولم تبلغ مؤشــرات نموها الاقتصادي والاجتماعي مســتوى متقدما، ولم تنشــأ فيها ثقافة سياسية حاملة لقيم الديمقراطية، أن تقوم فيها أنظمة ديمقراطية. أما المقاربة البنيوية فتركز اهتمامها على المسارات التاريخية طويلة المدى؛ حيــث تحدث تحــولات في علاقات القوة وبُُناها. ونظرا لاختلاف الســياقات الاجتماعيــة والاقتصادية فــإن التحولات البنيوية يمكــن أن تنتج ديمقراطيات ليبرالية كما يمكنها أن تنتج أنظمة سياسية شمولية. من أبرز منظ ِِّري هذه المقاربة الجذور الاجتماعية " )، صاحب كتــاب Barrington Moore بارينغتــون مــور ( . درس مور تحولات البنى الاقتصادية والاجتماعية ((( " للديكتاتورية والديمقراطية فــي ثمانية بلدان على مدى ثلاثة قرون ونصف القرن، من بداية القرن الســابع عشر إلى منتصف القرن العشرين. وخلصت دراسته المقارنة بين إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة واليابان وألمانيا وروســيا والصين والهند، إلى أن اختلاف نمــط العلاقة بين بنــى القوة الأربع: الفلاحيــن وملاك الأراضي والبورجوازية والدولة، ينتج أنماطا مختلفة من الأنظمة السياسية. ففي حين أنتج النمط الأول أنظمــة ديمقراطية في كل من إنكلترا وفرنســا والولايات المتحدة والهند، أنتج النمط الثاني أنظمة فاشــية في ألمانيا واليابان. أما في روســيا والصين، فكانت نتيجــة التحــول في العلاقة بين ذات البنى أنظمة شــيوعية تســلطية. من داخل المقاربــة البنيوية، تطورت محاولات التحليــل الطبقي للتحولات الديمقراطية. من بين من ســلكوا هذا الاتجاه في التحليل نجد على ســبيل المثال، ديتريتش Evelyne and ) وإيفلين وجون ستيفنس ( Dietrich Rueschemeyer رويشماير ( . فــي هذه المقاربــة أيضا، لا نجد للنخب دورا محددا في ((( ) John Stephens عملية التغيير، فالتغيير يحدث بالأســاس داخل البنــى الاقتصادية والاجتماعية وعلى مستوى العلاقة بينها، بقطع النظر عن أدوار الفاعلين أفرادا أو جماعات. المقاربة النظرية الأكثر شــيوعا لدراسة التحولات الديمقراطية هي المقاربة (1) Moore , Barrington , Social Origins of Dictatorship and Democracy : Lord and Peasant in the Making of the Modern World , Beacon Press , 1966 . (2) Rueschemeyer , Dietrich , Evelyne H . Stephens and John D . Stephens , Capitalist Development and Democracy , Cambridge University Press , 1992 .

20

الانتقاليــة. فقــد تراكم ضمنهــا كم أكبر من الأدبيات حتى أصبحت دراســات .) transitology الانتقال الديمقراطــي عموما تُُعرف اختصارا بالترانزيطولوجي ( علــى عكــس المقاربتين التحديثيــة والبنيوية، تركــز المقاربــة الانتقالية على التحــولات التــي تحدث في مديات زمنية قصيرة، وتهتــم بأدوار الفاعلين أكثر مــن اهتمامهــا بوظائف البنى المتحكمة في عمليــة التغيير. في مقدمة الفاعلين أثناء فترات الانتقال، تأتي النخب لتلعب الدور الأســاس في انتقال الحكم من النظام القديم إلى النظام الجديد. وقد كُُتب الكثير عن دور النخب في المسارات الانتقالية على اختلاف مراحلها. ظـِرو الترانزيطولوجي بين عدة مراحل، لــكل مرحلة خصائصها � يـِز من � يم ) مثلا، يميز بين أربعة Dankwart A . Rustow ووظائفها. فدانكوارت راســتو ( مراحل. تتشكل خلال المرحلة الأولى ملامح الوحدة الوطنية والهوية السياسية الجامعة. وفي المرحلة الثانية تبدأ النخب في التشــكل والتفاعل والصراع، قبل أن تصل في المرحلة الثالثة إلى قناعة مشتركة بكون التعدد والاختلاف ضرورة للاجتماع السياسي تحتاج إلى مؤسسات لإدارتها. أما في المرحلة الرابعة فيصل الجميع إلى تبني الديمقراطية وترســيخ قواعدها بإقامة نظام سياسي واجتماعي . ((( مكتمل الأركان خلافا لراســتو، تكاد الدراســات اللاحقة ضمن هذه المقاربة تُُجمع على التمييــز بين مرحلتين أساســيتين في مســار التحول إلــى الديمقراطية، مرحلة الانتقال ومرحلة الرسوخ. تتسم المرحلة الأولى بدرجة عالية من الحرية والجرأة والانفتــاح، ولكن، من جهــة أخرى تهيمن عليها عوامل الهشاشــة والغموض . أما المرحلة الثانية فيجري فيها تعزيز المؤسسات ((( وغياب اليقين في المستقبل وترســيخ قواعد النظام الديمقراطي، بعد حصول القناعة المشتركة لدى مختلف النخــب بــأن الديمقراطية لم تعد مجرد خيار من بين عدة خيارات، بل أضحت (1) Rustow , Dankwart A ., Transitions to Democracy , Comparative Politics , Vol . 2 , Issue 3 , 1970 , pp . 337 - 363 . (2) See for example the four edited volumes by O ’ Donnell , Guillermo , Philippe C . Schmitter and Laurence Whitehead , Transitions from Authoritarian Rule : Prospects for Democracy , Johns Hopkins University Press , 1986 .

21

Juan ، على حد تعبير جوان لينز وألفريد ســتيبان ( " اللعبة الوحيدة في المدينة " . وتبــدو المقاربــة الانتقالية أقرب إلى تأطير التجربة ((( ) Linz, Alfred Stepan ، انتقالا 2021 - 2011 التونســية نظريا. فقد حققت تلك التجربة، خلال عشــرية ملموسا من نظام سياسي تسلطي إلى نظام تشاركي، ووضعت أسس ديمقراطية ناشئة، ولكنها فشلت في ترسيخها وتحقيق شروط استدامتها. . سياقات المسار الانتقالي 2 ســياق الأحــداث عنصر مهم لفهمها وضرورة منهجيــة لتحليلها، فهي لا تحــدث فــي فراغ إنما تحــدث وتتطور وتتخذ اتجاها دون غيــره بالتفاعل مع سياقها والتأثر بعناصره سلبيًًّا وإيجابيًًّا. وككل التطورات السياسية والاجتماعية، ســياقاته 2021 و 2011 كان للانتقال الديمقراطي الذي شــهدته تونس بين عامي التي نحتاج إلى فهمها وتحليل عناصرها وتقدير مدى تأثيرها في مساره وتحديد المآل الذي انتهى إليه. أ. السياق الوطني انطلق مســار الانتقال الديمقراطي التونســي في ســياق وطني ثوري، بعد ثورة أطاحت بنظام سياســي كان يعد أحد أشــد الأنظمة العربية قمعا وتنكيلا بمعارضيه. ولأن الحامل الاجتماعي للثورة كان هو الأبرز في تفجيرها وتوسيع رقعتها وصياغة شــعاراتها وتحديد مطالبها، فقد ظل مسار الانتقال الديمقراطي محكوما بسقف الإنجاز الاجتماعي، فلم يكتمل رغم الإنجازات الكمية والنوعية التي تراكمت في المجال السياسي. لقد كان المناخ الثوري ضاغطا على الطبقة السياسية التي قادت المسار الانتقالي في مختلف مراحله، وكان سقف المطلبية مرتفعا، أخفقت الحكومات المتعاقبة في الاستجابة له. ومع ذلك، تمكنت الطبقة السياسية من إدارة ذلك المسار في ظل شراكة وطنية واسعة وغير مسبوقة، سواء على صعيد الحكم والتنفيذ، أو على صعيد التشريع والتوافق على خارطة طريق جنََّبــت تونس مخاطر الانتكاس الســريع والوقوع فــي مطبات العنف والحرب الأهلية. (1) Linz Juan J . and Alfred Stepan , Problems of Democratic Transition and Consolidation : Southern Europe , South America , and Post - Communist Europe , Johns Hopkins University Press , 1996 , p . 5 .

22

لم يلبث هذا الســياق الثوري أن اتســع نطاقه ليشــمل عددا متزايدا من البلدان العربية، فتحولت الثورة التونسية إلى حلقة في سلسلة من الثورات التي لحقت بها تباعا في كل من مصر وليبيا واليمن وسوريا. ومع ذلك، ظل الانتقال الديمقراطي التونســي، على مدى سنوات، يتيما في محيطه، وبقي استثناء فريدا إلى أن أطاح به انقلاب تخلََّق في رحم المنظومة الديمقراطية ذاتها وتغذى على على المســتوى العربي، ورغم تشــابه الســياقات العامة التي انطلقت فيها المســارات الانتقالية باعتبارهــا جميعا وليدة الربيع العربــي، فقد اختلفت في نهاياتهــا. لقد توقفت تلك المســارات في أوقــات متقاربة ومبكرة جدا، ولكن بأســاليب مختلفة. فالتجربــة الانتقالية المصرية توقفت بعــد عامين من الثورة ) إثر انقلاب عســكري مدعوم إقليميا، أطاح بنظام الرئيس محمد مرسي 2013 ( المنتخب وبمؤسســات التجربة الانتقالية. وتوقفت التجربة الانتقالية الليبية بعد )، إثر نشوب صراع مسلح فجره 2014 ثلاث ســنوات من محاولات التأسيس ( اللــواء المتقاعــد خليفة حفتر، تحوّّل معه الوضع إلى ما يشــبه الحرب الأهلية وســط انتشار واســع للسلاح وانقسام لمؤسســات الدولة التنفيذية والتشريعية. ) إثر انقلاب الحوثيين على 2014 وتوقفت التجربة اليمنية بعد ثلاث ســنوات ( مخرجات الحوار الوطني واستيلائهم على السلطة؛ ما تسبب في تدخل عسكري إقليمي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات. أما الثورة السورية فقد تحولت إلى صراع مســلح بين النظام وبعض مكوناتها، ولم تبلغ مرحلة التغيير ، حين ســقط نظام 2024 التي تقتضي وضع ترتيبات انتقالية إلا في أواخر عام الأسد واستملت المعارضة المسلحة السلطة بدلا منه. شــعبيا، كان انخراط الشــعب المصري والليبي واليمني والســوري تباعا وبشكل واسع ومباشر في حركة التغيير الثوري. ولكن بلدانا عربية أخرى شهدت حراكا شــعبيا أدنى سقفا من حيث المطالب والأهداف، مثل البحرين والمغرب وعُُمان. وقد تمكن ذلك الحراك من تحقيق مكاسب دستورية واجتماعية مهمّّة، لاســيما في كل من المغرب وعُُمان. أما فــي البحرين فقد جوبهت التحركات عثراتها المتتالية. ب. السياق العربي

23

، " درع الجزيرة " الشعبية بعنف ظاهر وتدخل عسكري خليجي مباشر نفذته قوات . في باقي المنطقة العربية وجدت الثورة التونســية صدى 2011 في مارس/آذار شعبيا واسعا ورأت فيها أجيال متعاقبة من الحركة الديمقراطية أفقا واعدا وتعبيرا عن تطلعاتها في التغيير والتحرر من اســتبداديات ما بعد الاســتعمار. وزاد من تعزيز هذا الموقف ومن توسيع نطاق الإشعاع الإيجابي للثورة التونسية، تجربة الانتقــال الديمقراطي التي بدت واعدة ومتميزة، قبل أن يطويها، مؤقتا، انقلاب . 2021 يوليو/تموز 25 فعلى مدى عشــر سنوات، شــكل مســار الانتقال الديمقراطي في تونس نموذجا للمجتمعات العربية الســاعية للتغيير، ومنحها أملا في إمكانية الخروج من براثن الديكتاتورية دون الوقوع بالضرورة في أتون الحرب الأهلية. لقد جسد هذا النموذج تجربة عملية لكســر هذه الثنائية، وقدم جوابا للســائلين عن كيفية التحرر من الأولى دون الارتهان للثانية. بعبارة أخرى، بيََّنت التجربة التونســية أن الخيار الثالث ممكن واقعيا، خلافا لما تسعى لترويجه وترسيخه غالبية أنظمة الحكــم في المنطقة العربية. فعموم المحيط الإقليمي لتونس، قريبه وبعيده، إما محكوم بأنظمة استبدادية عارية وعائلات مالكة مستقرة، أو تمزقه صراعات دامية وحروب أهلية. لذلك، فهو إما مناهض للثورة نشط لإفشال أي انتقال ديمقراطي، أو مغرق في شؤونه غير معني بأي تغيير. في هذا السياق، نُُظر للتجربة التونسية باعتبارها استثناء لا ينبغي أن يدوم، وسابقة لإرساء نموذج في الحكم من شأنه أن يزعزع استقرار المنطقة ويهدد النماذج السائدة. ج. السياق ما بعد كولونيالي تعيش أغلب البلدان التي خرجت من حالة الاستعمار المباشر قبل أكثر من نصف قرن وضعا هجينا تختلط فيه مظاهر الاســتقلال بأســباب التبعية، فلا هو وضع استقلال كامل ولا هو وضع استعمار ظاهر. قليلة هي البلدان التي خرجت من حالة الاســتعمار المباشر وتمكنت من بناء مجتمعات حية واقتصادات قوية وثقافــات مبدعة ونظم تعليم متقدمة وتحالفــات إقليمية ودولية فاعلة. وبذلك خرجــت من حالة الهجانة وحققت اســتقلالها الكامــل أو هي في الطريق إلى تحقيقه. نماذج من تلك البلدان نجدها في شــرق آســيا وجنوب أميركا وبعض

24

أقاليم إفريقيا. ولكن النسبة الغالبة من البلدان الإفريقية، وخاصة من مستعمرات فرنســا الســابقة، ما زالت تعيش في ظل هذا السياق وتتأثر به سلبيًًّا في سياستها واقتصادها وتعليمها وعلاقاتها الدولية. بناء ديمقراطية راســخة، كما هو شــأن بناء اقتصاد قوي أو تعليم متين في ســياق ما بعد كولونيالي، يُُعد معركة من معارك استكمال التحرر ومغادرة حالة الهجانة المعطلة لأي نهوض. لذلك، لا يمكن فصل مساعي الشعوب لممارسة حقها الكامل في تقرير مصيرها، وإقامة النظم السياســية التي تناســبها، واختيار حكامها بحرية، وانتهاج سياســات تخدم مصالحها وتعكس إرادتها العامة، عن معارك اســترداد الســيادة الوطنية وفك الارتباط بالمستعمر القديم. الديمقراطية بهذا المعنى، ليســت مجرد آلية لإدارة شــؤون الحكم بصورة تشاركية، بل هي أيضا وسيلة من وسائل القوة وأداة من أدوات مقاومة الهيمنة الخارجية. فالهيمنة الخارجية تســتمر في إعاقة محاولات النهوض بأســاليب مختلفة، ليست كلها وأيديولوجياتها وارتباطاتها، وفي " الوطنية " ظاهــرة. نجدها في خطابات النخب هشاشــة التعليم وتخلفه، وفي تبعية الاقتصــاد واختلال توازنه، وفي الكثير من . " مبدعيها " الأشكال الثقافية السائدة وفي لا شــك أن الســياق ما بعد كولونيالي يشكل تحديا إضافيا أمام جهود بناء الديمقراطية في المستعمرات السابقة، وينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار. ولكن هذا التحدي لا يجب أن يحجب عنا أسباب الفشل الذاتي، والميول السلطوية لدى النخب التي ورثت الاســتعمار، وعجزها عن إقامة أنظمة سياسية حديثة تواكب العصر وتحفظ كرامة مواطنيها وتبني شــرعيتها على إنجازاتها لا على اســتنادها إلى الدعم الخارجي. . في الاستثناء الديمقراطي عامة والاستثناء التونسي خاصة 3 ضمن هذه السياقات مجتمعة ومتفاعلة، الوطني الثوري، والإقليمي العربي، . ومن يتابع أدبيات " الاستثناء التونسي " ش ـ ََّكَل �ََ وما بعد الكولونيالي المناهض، ت موضوعها " الاستثناء " الانتقال الديمقراطي يعلم أن ثمة جدلا دائرا حول مقولة العــرب. فحول الاســتثناء العربي في ظل عولمة النمــوذج الديمقراطي، كتب ) عن الطبيعة الســلطوية للنظم السياسة العربية Michel Camau ميشــال كاماو (

25

. وناقش حيزم ((( وتحديها لما يبدو اتجاها كونيا لتوسيع مجال الحكم الديمقراطي ) الحجج المؤسســة لمقولة الاســتثناء العربي Haizam Fernández فيرنانديز ( . ((( واســتعرض في ذلك أربعة عوامــل، دينية وثقافية واقتصادية وجيوسياســية أما محمد العســيس وإســحاق ديوان فقد اعتمدا، لتفسير الاستثناء العربي، على الذي يستطلع، بصفة دورية، آراء " مؤشر القيم العالمي " بيانات إحصائية يوفرها المواطنيــن وتفضيلاتهم حول الديمقراطية. وتشــمل العينات المدروســة فئات . ((( اجتماعية مختلفة مثل الشباب والنخب المتعلمة وأبناء الطبقة الوسطى David من أبرز المنظرين للاستثناء العربي، نجد كذلك ديفيد برايس-جونز ( " العــرب والديمقراطية " )، الــذي لا يستســيغ مجرد الربط بين Pryce - Jones ويرى في ذلك تناقضا في العبارة. فالبنى الاجتماعية القبلية، بالنسبة إليه، تجعل المجتمعات العربية تدور في حلقة مفرغة لا يمكنها الخروج منها لإنتاج مؤسسات منفتحة تقوم على الانتماء الطوعي وعلى التدبير المشترك لمقتضيات المصلحة . هذه الدراســات تجد أطرها المرجعية في أطروحات مستشــرقين كبار ((( العامة )، الذي يرى أن الإسلام لا يمكن أن ينتج Bernard Lewis مثل برنارد لويس ( سياســيا إلا أنظمة ثيوقراطية غير قادرة على الانفتاح على قيم العالم الحديث، . ((( مثل التعددية والديمقراطية النقاش حول الاســتثناء العربي من الديمقراطية يأخذه العربي صديقي إلى مستوى آخر، فيسائل الخطاب الغربي ذاته، ويبحث عن أسباب تغييبه وتهميشه (1) Camau , Michel , Globalisation Démocratique et Exception Autoritaire Arabe , Critique Internationale , Vol . 1 , No . 30 , 2006 , pp . 59 - 81 . (2) Fernández , Haizam Amirah , The True ‘ Arab Exception ’ ( La verdadera ‘ excepción árabe ’), Real Instituto Elcano , 16 April 2015 . See : https :// www . realinstitutoelcano . org / en / commentaries / the - true - arab - exception / ( accessed on 20 / 08 / 2023 ). (3) Al - Ississ , Mohamad and Ishac Diwan , Preference for Democracy in the Arab World , Politics and Governance , Vol . 4 , No 4 , 2016 . (4) Pryce - Jones , David , The Closed Circle : An Interpretation of the Arabs , Harper and Row , 1989 . (5) Lewis , Bernard , What Went Wrong ? Western Impact and Middle Eastern Reponses , Oxford University Press , 2002 .

26

لإشــكالية العرب والديمقراطية. تحت هــذا العنوان، يفكك صديقي الخطابات الغربية حول الديمقراطية ويُُرجع هذا التغييب إلى ثلاثة أســباب رئيســية: هيمنة الخلفية الاستشــراقية علــى الخطاب الغربي حول الشــرق العربي، وتوجهات السياســات التي تقود الدراسات الإقليمية، وهوس الجماعة الأكاديمية بالصراع . ((( العربي-الإسرائيلي، الذي كان على حساب الاهتمام بقضايا أخرى لها أهميتها على مســتوى التجربة التاريخية، كان الاســتثناء العربي واضحا. فقد شهد العالم على مدى مئتي عام الماضية تحولات ديمقراطية شملت مختلف مناطقه الهنتنغتونية، فإن الموجة " الموجات " باستثناء المنطقة العربية. وإذا اعتمدنا نظرية الأولــى للتحولات الديمقراطية بدأت مع الولايات المتحدة الأميركية في العام وشــملت أكثر من ثلاثيــن بلدا. وفي بداية 1926 واســتمرت إلى العام 1828 الأربعينات، في خضم الحرب العالمية الثانية، انطلقت الموجة الثانية للتحولات . أما الموجة الثالثة 1962 الديمقراطية واســتمرت نحو عقدين، لتنتهي في العام ، وبلغت أوجها في 1974 فقــد بدأت بتحول البرتغال إلى الديمقراطية في العام بداية التســعينات مع التحولات التي شــهدتها أوروبا الشرقية، المجال الحيوي للعالم الشيوعي. هكذا، تكون الموجات الديمقراطية المتعاقبة قد غطت العالم شمالا وجنوبا وغربا وشــرقا، فشملت الأميركتين وأوروبا وآسيا وإفريقيا، ولم يُُستثن منها غير ) لم Samuel Huntington المنطقــة العربية. صحيــح أن صمويل هنتنغتــون ( يستخدم عبارة الاستثناء العربي في دراسته الشهيرة عن موجات الديمقراطية التي ، ولكن المســح الشامل ((( " الموجة الثالثة " تحت عنوان 1991 صدرت في العام الذي أجراه واســتعرض فيه التحــولات الديمقراطية، التي حدثت خلال قرنين في مختلف أنحاء العالم، يجعل هذا الاســتثناء جليًًّا. أما تفســير ذلك الاستثناء صدام الحضارات وإعادة " والبحث في أســبابه فنجده مبثوثا فــي كتابه اللاحق (1) Sadiki , Larbi , The Search for Arab Democracy : Discourses and Counter - Discourses , Columbia University Press , 2004 , p . 3 . (2) Huntington , Samuel P ., The Third Wave : Democratization in the Late Twentieth Century , University of Oklahoma Press , 1991 .

27

، حيث يلجأ إلى عناصر الثقافة الســائدة في المنطقة ((( " تشــكيل النظام العالمي معتبرا إياها مقاومة للغرب وقيمه الحضارية بما في ذلك الحرية والديمقراطية. إلى أداة تحليل " الاســتثناء العربي " لقد حوََّلت كتابات هنتنغتون وغيره، مقولة: متداولة إلى حين انطلاق ثورات الربيع العربي. جاءت ثورات الربيع العربي، فحاولت كسر هذا الاستثناء وتحدي مقولاته المؤسســة. وفــي ضوء هذا الحدث التاريخي، تجــدد النقاش حول الموضوع، فكتب بشارة خضر متحديا القائلين بالاستثناء العربي، معتبرا أن الثورة التونسية . وحول الاستثناء التونسي ((( " خيالية " أســقطت واقعيا ما قام عليه من تفسيرات " تونس: الثورة والمحنة " تحديدا، ناقش عبد اللطيف الهرماسي في توطئة كتابه . ((( مقولة الاستثناء التونسي في مواجهة النماذج الكونية للثورة لقد مثََّل الاســتثناء التونســي، خاصة بعد تعطل التجارب الانتقالية العربية الأخرى، استثناء محليا داخل الاستثناء الإقليمي وفي مواجهته. وهو، إلى جانب ذلك، تحد لمقولة الاستثناء العربي عامة، التي فقدت كثيرا من قيمتها الإجرائية بعــد أن فتحــت تونس الباب أمــام المنطقة العربية لتخرج من هذا الاســتثناء التاريخي. بذلك، اتخذت الثورة التونسية ومسارها الانتقالي بعدا عالميا يتجاوز أفقيهــا المحلي والعربــي. وقد أضحت، بفضل هذه القيمة، مدارا لجدل فكري وسياســي وأكاديمي عالمي واســع نتج عنه المئات من الدراســات والأبحاث المنشــورة، وشــكلت موضوعا للنقاش والحوار في العديد من المؤتمرات التي عُُقدت على مدى سنوات في مختلف أنحاء العالم. في النموذج التونسي تحديدا، يمكن أن نقف على أكثر من وجه للاستثناء. فالمبادرة بالثورة والتغيير وســط حالة عربية عامة من الركود والتســليم بســيادة (1) Huntington , Samuel P ., The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order , Simon & Schuster , US . 1996 . (2) Khader , Bichara , Tunisia and the Arab Democratic Awakening , IEMed Mediterranean Yearbook 2011 , pp . 15 - 20 . الهرماسي، عبد اللطيف، تونس الثورة والمحنة: مقاربة من منظور علم الاجتماع السياسي، ((( . 22 - 7 ، ص 2023 منشورات سوتيميديا، تونس

28

الاستبداد والمحافظة استثناء. وخيار التأسيس ودسترة التعاقد الاجتماعي وسط ارتباك مســارات تجارب الانتقال الأخرى اســتثناء. واستمرار المسار الانتقالي لعشر سنوات وصموده في وجه محاولات التخريب الداخلية والخارجية استثناء. وهو كذلك استثناء على مستوى التاريخ السياسي لتونس ذاتها. فرغم ثراء التجربة الدستورية التونسية التي شهدت صدور عدة دساتير خلال قرنين ونصف القرن، ، حاولت تقييد صلاحيات الحاكم، ملكا كان أم رئيسا، ومنح 1861 بداية من العام صلاحيات متفاوتة للمجالس المنتخبة، ظل الطابع الاستبدادي للحكم سائدا في مختلــف العهود إلى حين قيام الثورة. يُُســتثنى من هــذا التاريخ الطويل تجربة قرطاج، حيث ســاد الحكم الدســتوري والنظام الديمقراطي وكانت الانتخابات آليــة لاختيار الحكام بما في ذلك الملوك. وتُُعــد الإطاحة بالنظام الديمقراطي ، على يد رئيســه المدني المنتخب ديمقراطيا اســتثناء 2021 من داخله في العام آخر. ولكنه استثناء عكسي وضع حدا لبقية الاستثناءات وأعاد تونس إلى عموم القاعدة، التي حاولت الإفلات منها على مدى عشر سنوات. في سياق هذا الاستثناء، وقبل انقضاء عشرية الانتقال الديمقراطي وإغلاق قوسها، كانت التجربة التونسية قد راكمت مجموعة من الإنجازات، خاصة على الصعيد السياســي والمؤسسي. فقد تمكنت نخب ممثلة لأغلب الطيف الفكري والسياسي التونسي من التوافق على الحد الأدنى من خارطة طريق، بدأت بإعادة تأسيس النظام السياسي تأسيسا دستوريا يستعيد لحظة تأسيس الجمهورية عقب . ورغم الجدل الذي اكتنف عملية التأسيس الثاني 1956 استقلال تونس في العام والنقــاش الــذي دار طويلا حول طبيعته وتســميته الأدق، كانت اللحظة ثورية بامتياز، فلم تكن تقتضي تعديلا دستوريا أو تغييرا سياسيا محدودا. لذلك اتجه وفاق النخبة إلى التأسيس والبناء من جديد. . مؤسسات الانتقال الديمقراطي ومحطاته الرئيسية 4 تعددت محطات المسار الانتقالي وتنوعت مؤسساته، فشك ََّلت تجربة سياسية ثرية حاولت أن تســتمر في وجه تحديات داخلية وخارجية متزايدة. فيما يلي، نستعرض أبرز تلك المحطات وما نشأ خلالها من مؤسسات سياسية ودستورية.

29

- هيئة تحقيق أهداف الثورة انطلق مســار التأسيس بعد سلســلة من الحوارات والتوافقات حول معالم الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال " الطريق، أدارتها برئاسة رجل القانون 2011 ، التي تأسســت في شــهر مارس/آذار " الديمقراطي عياض بن عاشــور. وكان من أبرز ما انتهت إليه تلك التوافقات تأســيس الهيئة . وقد طوى بعث هيئة ((( 2011 أبريل/نيسان 18 العليا المستقلة للانتخابات في مستقلة للإشراف على الانتخابات إحدى صفحات النظام القديم، وقطع بوضوح مع إحدى ممارساته الاستبدادية التي استمرت على مدى ستين عاما، حين كانت الانتخابات من أنظار وزارة الداخلية، تنظمها وتشرف عليها وتعلن نتائجها بعد هندســتها بما يتفق مع حســابات النظام ورغباته. ومنذ تأسيس تلك الهيئة، التي تتمتع باســتقلال مالي وإداري، باتت الانتخابات في تونس حدثا وطنيا مفصليا يهتم به التونسيون ويرضون بنتائجه وتتغير بمقتضاه الحكومات ويُُعاد على أساسه تركيب المجلس النيابي والمشهد السياسي عامة. وقد اكتسبت الانتخابات التي نظمتها الهيئة خلال عشرية الانتقال الديمقراطي مصداقية عالية، داخليا وخارجيا، لما توافر فيها من مقاييس عالمية مثل النزاهة والشــفافية والمنافسة الحرة والتعددية الحزبية والمشاركة الواسعة وحياد الإدارة والإعلام. تشــهد على ذلــك تقارير المراقبين المحلييــن والدوليين ومنظمات المجتمع المدني ومبعوثي الدول والمنظمات والهيئات الدولية والإقليمية المعنية منظمة شاهد لمراقبة الانتخابات " بالانتخابات. انظر، على سبيل المثال، تقارير والبعثة ((( ومعهد كارتر ((( ، والاتحاد الأوروبي ((( " ودعم التحولات الديمقراطيــة بتاريخ 27 انظر نص المرســوم الرئاســي الصادر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد ((( . 2011 أبريل/نيسان 19 أغســطس/آب 20 انظــر تقارير منظمة شــاهد على موقعها الإلكتروني (تاريخ الدخول: ((( http://www.chahed.tn/ ،) 2023 : 2014 انظر تقرير بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة انتخابات ((( https :// eeas . europa . eu / archives / eueom / missions / 2014 / tunisia / pdf / 150313 - rapport - final - moeue - tunisie - 2014 _ fr . pdf / ( accessed on 20 / 08 / 2023 ). : 2011 انظر تقرير معهد كارتر عن انتخابات المجلس التأسيسي في أكتوبر/تشرين الأول ((( https :// www . cartercenter . org / resources / pdfs / news / peace _ publications / election _ reports / tunisia - final - Oct2011 . pdf / ( accessed on 20 / 08 / 2023 ).

30

. ((( الدولية لملاحظة الانتخابات في تونس، التابعة للمعهد الجمهوري العالمي إلى جانب هيئة الانتخابات، جرى التوافق أيضا على قانون انتخابي يتم على أساسه انتخاب أعضاء المجلس التأسيسي. وقد حدد القانون الجديد، الذي عُُرف )، وعدد الدوائر 217 ، عدد أعضاء المجلس التأسيســي بـ( " أكبر البقايا " بقانون )، ومنح الفرصة للمستقلين للترشح إلى 33 الانتخابية داخل تونس وخارجها بـ( جانب القوائم الحزبية. وشج َّّع الشباب على الانخراط في الحياة العامة بتخفيض عاما، واشترط على القوائم المتنافسة أن تكون مناصفة بين 23 سن الترشح إلى الرجال والنساء. التقت وراء سََن قانون انتخابي بهذه المواصفات هواجس النخبة من عودة الماضي، مع الرغبة في التخلص من هيمنة الحزب الواحد على صناعة القرار، وإرادة توسيع تمثيلية المجلس، خاصة أن مهمته الرئيسية كانت وضع دستور لكل التونسيين. غير أن هذا القانون، وإن كان مناسبا لانتخاب مجلس تأسيسي، إلا أنه في المحطات الانتخابية اللاحقة، تحول إلى عامل سلبي أخل بمفهوم التمثيلية ومنع تشكيل أغلبية منسجمة قادرة على الحكم وقابلة للمحاسبة، وأوصل الحياة السياسية إلى ما يشبه الشلل، رغم التعديلات الجزئية التي أُُدخلت عليه. - المجلس التأسيسي أكتوبر/تشــرين الأول 23 قبــل أن تكمل الثورة عامها الأول، جرت، في ، انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، الذي عُُهد إليه وضع دستور جديد 2011 قائمة حزبية 1500 . جرت الانتخابات بمشاركة أكثر من 1959 بديلا من دستور % من عموم الناخبين، وشهد 54 وائتلافية ومســتقلة، وبلغت نســبة المشــاركة . وأســفرت النتائج عن ((( عليها أكثر من عشــرة آلاف مراقب بين أجنبي ومحلي خارطة جديدة للقوى السياسية والحزبية في تونس، أقرب ما تكون لتمثيل الواقع : 2019 انظر تقرير البعثة الدولية لملاحظة الانتخابات ((( https :// www . iri . org / wp - content / uploads / 2020 سبتمبر/أيلول tunisia _ iom _ final _ report _ ar _ final . pdf / ( accessed on 20 / 08 / 2023 ). :) 2023 أغســطس/آب 20 انظــر تقريــر الهيئة العليا المســتقلة للانتخابات (تاريخ الدخول: ((( https :// www . isie . tn / ar / 2011 / ﻻﺍﻧﺘﺨﺎﺑﺎت/انتخابات-/

31

تمثيلا حقيقيا، وأبعد ما تكون عن تلك الصورة الزائفة التي عهدها التونســيون منذ تأسيس دولة الاستقلال. يُُعد المجلس التأسيســي أول مؤسســات الثــورة المنتخبة وأهم محطات غير المسبوقة في تاريخ تونس في 2011 المسار الانتقالي. فإلى جانب انتخابات تمثيليتها وشفافيتها ونزاهتها، كانت مؤسسة المجلس مرآة عاكسة لتنوع المجتمع التونسي وحيويته ورغبته في تغيير واقعه. فقد توزعت تركيبته على نحو عشرين حزبًًا إضافة إلى عدد من نواب القوائم المســتقلة. وتصدرت نتائج الانتخابات حركة النهضة، التي ظلت ممنوعة من النشــاط السياســي القانوني منذ تأسيسها . 217 مقعدا من مجموع 89 (تحت اســم الاتجاه الإسلامي)، بـ 1981 في العام مقعدًًا. واحتلت العريضة الشعبية 29 تلاها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بـ مقعدا. أما المرتبة الرابعة فآلت إلى حزب التكتل من أجل 26 المرتبــة الثالثــة بـ العمل والحريات. وفاز ببقية المقاعد أحزاب يسارية مثل حزب العمال الشيوعي التونسي والقطب الديمقراطي الحداثي، وقومية مثل حركة الشعب، وليبرالية مثل حزب آفاق تونس والاتحاد الوطني الحر. ولم تغب عن تشكيلة المجلس أحزاب تنتمي قياداتها إلى النظام السابق مثل حزب المبادرة والحزب الدستوري الجديد. انعكســت هذه النتائج على التشــكيلة القيادية للمرحلة الأولى من المسار الانتقالي، فتوافقت الأحزاب الفائزة بأكثرية المقاعد، باســتثناء العريضة الشعبية، على انتخاب الأمين العام للتكتل، مصطفى بن جعفر، رئيسا للمجلس، وانتخاب رئيس المؤتمر، منصف المرزوقي، رئيسا للجمهورية، بينما تولى رئاسة الحكومة الأمين العام لحركة النهضة، حمادي الجبالي. إلى جانب تمثيلها لحقيقة الأوزان كما " الترويكا " الانتخابية للأحزاب السياســية، مثََّل ذلــك الائتلاف الثلاثي، أو عُُرفت في وقتها، أول شراكة سياسية حقيقية تخترق جدران الاصطفاف الهووي وتتجاوز حدود الانقســامات الأيديولوجية. فحركة النهضة ذات خلفية إسلامية، بينمــا حزب التكتل اشــتراكي ديمقراطي اجتماعي، أمــا حزب المؤتمر فيجمع حساسيات مختلفة المرجعيات الفكرية وهو أقرب إلى يسار الوسط. فــي ضوء هــذه الترتيبات والتوافقــات على قيادة المرحلــة الانتقالية في مســتوياتها الثلاثــة، تولى المجلس التأسيســي، بالإضافة إلى مهمته الرئيســية المتمثلة في وضع دســتور جديد للبلاد، بعض الوظائف غير التأسيســية، مثل سـ ََّن عددا من القوانين، مثل � منح الثقة للحكومة والمصادقة على الميزانية. كما ، 2013 قانون إرساء العدالة الانتقالية، الذي صدر في شهر ديسمبر/كانون الأول

32

Page 1 Page 2 Page 3 Page 4 Page 5 Page 6 Page 7 Page 8 Page 9 Page 10 Page 11 Page 12 Page 13 Page 14 Page 15 Page 16 Page 17 Page 18 Page 19 Page 20 Page 21 Page 22 Page 23 Page 24 Page 25 Page 26 Page 27 Page 28 Page 29 Page 30 Page 31 Page 32 Page 33 Page 34 Page 35 Page 36 Page 37 Page 38 Page 39 Page 40 Page 41 Page 42 Page 43 Page 44 Page 45 Page 46 Page 47 Page 48 Page 49 Page 50 Page 51 Page 52 Page 53 Page 54 Page 55 Page 56 Page 57 Page 58 Page 59 Page 60 Page 61 Page 62 Page 63 Page 64 Page 65 Page 66 Page 67 Page 68 Page 69 Page 70 Page 71 Page 72 Page 73 Page 74 Page 75 Page 76 Page 77 Page 78 Page 79 Page 80 Page 81 Page 82 Page 83 Page 84 Page 85 Page 86 Page 87 Page 88 Page 89 Page 90 Page 91 Page 92 Page 93 Page 94 Page 95 Page 96 Page 97 Page 98 Page 99 Page 100 Page 101 Page 102 Page 103 Page 104 Page 105 Page 106 Page 107 Page 108 Page 109 Page 110 Page 111 Page 112 Page 113 Page 114 Page 115 Page 116 Page 117 Page 118 Page 119 Page 120 Page 121 Page 122 Page 123 Page 124 Page 125 Page 126 Page 127 Page 128 Page 129 Page 130 Page 131 Page 132 Page 133 Page 134 Page 135 Page 136 Page 137 Page 138 Page 139 Page 140 Page 141 Page 142 Page 143 Page 144 Page 145 Page 146 Page 147 Page 148 Page 149 Page 150 Page 151 Page 152 Page 153 Page 154 Page 155 Page 156 Page 157 Page 158 Page 159 Page 160 Page 161 Page 162 Page 163 Page 164 Page 165 Page 166 Page 167 Page 168 Page 169 Page 170 Page 171 Page 172 Page 173 Page 174 Page 175 Page 176 Page 177 Page 178 Page 179 Page 180 Page 181 Page 182 Page 183 Page 184 Page 185 Page 186 Page 187 Page 188 Page 189 Page 190 Page 191 Page 192 Page 193 Page 194 Page 195 Page 196 Page 197 Page 198 Page 199 Page 200

Made with FlippingBook Online newsletter