العدد 31

يبحث الكتاب معضلة الفراغ الاستراتيجي والتجزئة (1971- 2018)) فيما يقوم بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من علاقات قبل إنشاء المجلس وبعد تأسيسه. كما يتناول مسارات التعاون والصراع في تلك العلاقات، وتطورها خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، ومطلع الألفية الثالثة، وكذلك العوامل المحلية والإقليمية والدولية التي أثَّرت وتؤثر فيها سلبيًّا أو إيجابيًّا. ويسعى الكتاب لمؤلفه، الدكتور محمد صالح المسفر، بصفة عامة إلى محاولة فهم العلاقات الخليجية-الخليجية وتقييمها في إطار التداخل بينها وبين السياسات الإقليمية والدولية ودراسة اتجاهاتها والبحث في مصير الدول الخليجية.

L U B A B  

        2026 / €‚ - ٣1 † - ‡ ˆ ‡ 

‰ Š‹Œ     .    .     .    .     .  € ‚ƒ€ . „ „ „ .  † ‡ ˆ    ‰ . Š‹ Š ‰ ‹Ž ŒŽ‘ Š’‘   . ‰ ‹Ž ‘Ž’ “ ”  .. ‰      “” †•– •’  –— ˜ —‡˜ ™š› –Ž  ™š Œ

دراسات وأبحاث

Studies and Research

محمد المختار الخليل الجغرافيا السياسية للشر: جزيرة إبستين نموذج ًًا

Mohammed Mukhtar Al Khalil The Geopolitics of Evil: Epstein Island as a Case Study

11

الحاج محمد الناسك - محمد أوريا من التوافق الباكلي إلى المنعطف الترامبي: جدلية الاستمرار والقطيعة في الحركة المحافظة الأميركية عبد الله راشد المرسل الأمن الخليجي في سياق الحرب على إيران: الانكشاف الاستراتيجي وأسئلة التكامل الدفاعي في ضوء 2026 حرب

Lhaj Mohamed Nacik - Mohamed Ourya From the Buckley Consensus to the Trumpian Turn: The Dialectic of Continuity and Rupture in the American Conservative Movement Abdullah Rashid Al-Mursel Gulf Security in the Context of the War on Iran: Strategic Exposure and Questions of Defence Integration in Light of the 2026 War

43

79

Mohamed Elzein Mohamed Ahmed The Proximity Hypothesis: Toward a Multi-Level Explanation of the Politicization of Intelligence

محمد الزين محمد أحمد فرضية القرب: نحو تفسير متعدد المستويات لتسييس الاستخبارات

119

Youssef Day The Palestinian Cause in the Discourse of Moroccan Ultras Movements: A Study of New Forms of Protest

يوسف دعي القضية الفلسطينية في خطاب حركات الألتراس بالمغرب: دراسة في التعبيرات الاحتجاجية الجديدة

155

Follow-ups

متابعات نوح فسيفس

Nouh Fsifes Germany after the Russian War on Ukraine: From "Civilian Power" to Rearmament

ألمانيا بعد الحرب الروسية على أوكرانيا: من "القوة المدنية" إلى إعادة التسلح

191

عبد الرفيع زعنون الحرب على الطاقة: القوة والإمبراطوريات والأزمة الإيكولوجية

Abderrafie Zaanoun La guerra por la energía: Poder, imperios y crisis ecológica

229

5 |

افتتاحية العدد

إعادة بناء الأطر التفسيرية للتحولات الإستراتيجية في ظل اســتمرار التفاعلات العســكرية والأمنية في " لباب " يصــدر هذا العدد من الخليج، في أعقاب الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران نهاية فبراير/شباط الماضي، والتي لم تتوقف تداعياتها رغم الهدنة الهشة، ومذكرة التفاهم التي أخفقت في إيقاف التصعيد العسكري المتواصل وتهيئة سياق مناسب للتسوية. فقد واصلت إيران محاولات الهيمنة على مضيق هرمز، ومهاجمة السفن التجارية التي لا تستجيب للشروط التي فرضتها لعبوره، الأمر الذي نجم عنه استئناف المواجهات العسكرية المتبادلة، وتصعيد الاستهداف العسكري الإيراني لدول الخليج والأردن. ويعكس هذا المشهد، كما تعكسه تطورات النظام الدولي في أكثر من ساحة، أن كثيرًًا من الأزمات لم تعد تنتهي باتفاقات حاســمة بل تســتمر في صورة ضغوط متبادلة، وردع متقطع، وتحولات تدريجية تعيد تشكيل موازين القوة ومفاهيم الأمن والشرعية. وتُُبرز هذه التحولات الحاجة إلى مراجعة كثير من الأطر التفسيرية التي ظلت تحكم فهــم السياســة الدولية والأمن والصــراع لعقود. فمع تداخل الأبعاد الجيوسياســية والأمنيــة والاقتصادية والثقافية، وصعود فاعلين وأنماط تأثير جديدة، أصبح التحدي العلمي يتمثل في تطوير نماذج تفسيرية أكثر قدرة على فهم البنى العميقة التي تنتج هذه التحولات وتوجه مســاراتها، بما يجاوز مجرد توصيفها إلى تفسيرها واستيعاب اهتمامٌٌ " لباب " دلالاتهــا. ومــن هذا المنطلق، يجمع بين دراســات هذا العدد مــن مشــترك يتمثل في إعادة النظر في المفاهيم الســائدة، واقتــراح أطر تحليلية جديدة لفهم التحولات التي تعيد تشكيل النظامين، الدولي والإقليمي. يُُفتتح العدد بدراسة تؤسس لإطار تفسيري جديد لفهم العلاقة بين الجغرافيا والسلطة نقطة انطلاق لتحليل ظاهرة " جزيرة إبســتين " وإنتاج فضاءات الاســتثناء، متخذة من ، " الجغرافيا السياســية للشــر " تتجاوز حدود هذه الحالة. ومن خلال اقتراح مفهوم سـِر الكيفية التي � تنتقل الدراســة من توصيف واقعة بعينها إلى بناء نموذج نظري يُُف تتحــول بهــا بعض الفضاءات الجغرافية إلى مجالات يُُعاد فيها تشــكيل العلاقة بين الســلطة والقانون والرقابة وشــبكات النفوذ. وللتحقق مــن صلاحية هذا النموذج،

| 6

توســع الدراسة نطاق التحليل ليشــمل حالات أخرى، مثل قاعدة غوانتانامو وجزر التجارب النووية وجزر الاقتصاد السري، لتبين أن اختلاف الوظائف لا ينفي وحدة البنية الجيوسياسية التي تقوم على الاستثناء والعزلة وإعادة توزيع القوة. وبهذا تقدم الدراسة إسهامًًا نظريًّّا يتجاوز تفسير حالة جزئية إلى بناء أداة تحليلية تساعد في فهم توظيــف الجغرافيا في إنتاج الهيمنة وإعادة تشــكيل موازين القوة في النظام الدولي المعاصر. وفي ســياق التحولات الفكرية والسياســية التي تشــهدها الولايات المتحدة، تتناول الدراســة الثانية إعادة تشــكل الحركة المحافظة الأميركية من خلال تحليل العلاقة بين الاندماجية الكلاســيكية والترامبية، بعيدًًا عن ثنائية الاســتمرار والقطيعة. وتقدم الدراســة الترامبية بوصفها إعادة تركيب انتقائية للإرث المحافظ في ظل ســياقات سياســية ومؤسســية جديدة، بما أفضى إلى إعادة تعريف معايير الشــرعية والفاعلية داخل اليمين الأميركي. وتكشف الدراسة، عبر تتبع التحولات التي مرََّت بها الحركة المحافظة منذ خمســينات القرن العشــرين، عن الدور المحوري الذي اضطلعت به المؤسسات الفكرية والقانونية في إعادة توزيع موازين القوة داخل الحقل المحافظ، والانتقال من أولوية الانضباط الفكري إلى تغليب الفاعلية السياســية والمؤسســية. ومن خلال هذا التحليل، تقدم الدراســة قراءة تفســر صعود الترامبية بوصفه حصيلة مســار تاريخي طويل أعاد تشــكيل العلاقة بين الفكر والســلطة والمؤسسات، وأثار في الوقت نفســه أسئلة جديدة حول مســتقبل المحافظة الأميركية ومصادر شرعيتها وتماسكها الفكري. وينتقــل العدد إلى أحد أكثر الملفات إلحاح ًًا في البيئة الإقليمية، من خلال دراســة تبحــث تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية على المنظومة الأمنية الخليجية، متخذة ا لتحليل التحولات البنيوية التي طرأت على معادلات الأمن من هذه الحرب مدخلًا والدفاع في المنطقة. وتنطلق الدراســة من فرضية أن الحرب مثََّلت لحظة انكشــاف إســتراتيجي أبرزت حدود التصورات الأمنية التقليدية، وكشــفت انتقال البيئة الأمنية الخليجية إلى نمط أكثر تعقيدًًا وتشــابكًًا، تتداخل فيه الأبعاد العســكرية والاقتصادية والســيبرانية والبنى التحتية الحيوية. وفي ضوء ذلك، تناقش الدراســة متطلبات بناء ا ، تســتند إلى عقيدة أمنية مشــتركة، ومنظومات دفاع قدرة دفاعية خليجية أكثر تكاملًا متعددة الطبقات، وآليات تنســيق قادرة علــى مواجهة التهديدات المركبة. كما تقدم

7 |

تصورًًا استشــرافيًّّا لمسارات الأمن الخليجي، انطلاقًًا من أن التحولات التي فرضتها الحرب تضع دول مجلس التعاون أمام استحقاق إعادة بناء مفهوم الأمن الجماعي، بمــا يعــزز قدرتها على إدارة المخاطر وصناعة التوازن في بيئة إقليمية تتســارع فيها التحولات، وتتزايد التهديدات. ويواصل العدد اهتمامه بإعادة بناء الأطر التفســيرية من خلال دراســة تتناول ظاهرة تسييس الاستخبارات، متجاوزة المقاربات التي تحصرها في التدخل السياسي المباشر، إلى تقديم تفسير متعدد المستويات للعلاقة بين المحلِِّل الاستخباراتي وصانع القرار. بوصفها إطارًًا تحليليًّّا جديدًًا يفسر " فرضية القرب " وفي هذا السياق، تطرح الدراسة كيف تتشــكل أنماط التســييس تبعًًا لدرجات القرب البنيوي والوظيفي والشــخصي والإدراكي، بما يعيد النظر في كثير من المسلََّمات السائدة في أدبيات الاستخبارات وصنع القرار. ومن خلال هذا الطرح، تصور الدراسة العلاقة بين القرب والاستقلال بوصفها توازنًًا مؤسسيًّّا ومهنيًّّا يتحدد وفق آليات الحوكمة وتصميم العلاقة بين إنتاج سـِع فهم ظاهرة � المعرفة واتخاذ القرار. وبذلك تقدم الدراســة نموذجًًا تفســيريًّّا يو التســييس، ويفتح آفاقًًا جديدة لدراســة العلاقة بين المعرفة والسلطة والمؤسسة في سياقات سياسية ومؤسسية متنوعة. ومن إعادة تفســير العلاقة بين المعرفة والســلطة، يمتد هذا المنحى التفســيري إلى دراسة تتناول تحولات التعبير عن القضية الفلسطينية في المغرب من خلال خطاب حركات الألتراس، مقدمة قراءة لدور الفضاءات الثقافية والرياضية في إنتاج أشــكال جديدة من الفعل الاحتجاجي. وتنطلق الدراسة من أحداث السابع من أكتوبر/تشرين لتحليل الكيفية التي أعادت بها هذه الحركات توظيف الملاعب والفضاء 2023 الأول الحضري لإنتاج خطاب داعم للقضية الفلسطينية، مستندة إلى منهج تحليل الخطاب النقدي لفهم المضامين السياسية والثقافية التي حملتها الأهازيج والأغاني ورسومات الغرافيتي. وتوضح الدراســة أن حركات الألتراس أســهمت في بلورة أنماط جديدة من التعبئة السياسية، حو ََّلت الملاعب وجدران المدن إلى فضاءات للتعبير عن الرأي العام، وكشــفت قدرة الأشــكال الثقافية والشــعبية على أداء أدوار سياسية مؤثرة في البيئات التي تضيق فيها قنوات الاحتجاج التقليدية. ، من خلال دراسة " متابعات " ويمتد الاهتمام برصد التحولات الإستراتيجية في باب تتناول إعادة تموضع السياسة الأمنية الألمانية في أعقاب الحرب الروسية على أوكرانيا.

| 8

إلى تبني مقاربة جديدة تقوم " القوة المدنية " وترصد الدراسة انتقال برلين من نموذج على تعزيز القدرات الدفاعية وإعادة بناء دورها العسكري داخل المنظومة الأوروبية والأطلسية، في ضوء المتغيرات التي فرضتها الحرب وتراجع اليقين المرتبط باستدامة الضمانات الأمنية الأميركية. وتوضح الدراسة أن هذا التحول يعبِِّر عن مراجعة أوسع للمرتكــزات التي قامت عليها الإســتراتيجية الألمانية منذ نهاية الحرب الباردة، وما يرتبــط بها من تحديات تتصل بالتوازن بين متطلبات الردع العســكري والاعتبارات الاقتصادية والسياســية الداخلية. ومن هذا المنظور، تقدم الدراســة قراءة لتداعيات إعادة التموضع الألماني في مســتقبل الأمن الأوروبي، وانعكاســاته المحتملة على العلاقات عبر الأطلسي والتوازنات الإستراتيجية في القارة. ، الذي يقــد ِِّم عرض ًًا نقديًّّا لكتاب " قراءة في كتاب " ويكتمل هذا المســار في بــاب للاقتصادي " الحــرب على الطاقة: القــوة والإمبراطوريات والأزمــة الإيكولوجية " والسياســي الإســباني، ألبرتو غارثون، بوصفه محاولة لإعادة قراءة أزمة الطاقة من منظــور يربط الاقتصاد بقيــوده البيوفيزيائية والإيكولوجيــة. ويحلِِّل العرض الكيفية سـ ِر بها الكتاب العلاقة بين التنافس على الموارد، والتحولات الجيوسياسية، � التي يف والأزمــة البيئيــة، فــي إطار رؤية تعيد وصل النشــاط الاقتصادي بشــروطه المادية والإيكولوجية، وتدعو إلى مراجعة أنماط الإنتاج والاســتهلاك الســائدة. كما يناقش العرض المرتكزات النظرية لهذا الطرح وحدوده التفســيرية، متوقفًًا عند إســهامه في توســيع آفاق تحليل الاقتصاد السياســي الدولي، وما يفتحه من نقاش حول العدالة الإيكولوجية، والعلاقة بين الشمال والجنوب، وإمكانات بناء انتقال طاقي أكثر إنصافًًا واستدامة في ظل التنافس المتصاعد على الموارد الإستراتيجية. وتعكس دراســات هذا العدد، على تنوع مجالاتها، اتجاهًًا بحثيًّّا يجمع بين تفســير التحــولات الكبــرى وتطويــر أدوات فهمها. وتنفذ الدراســات إلــى البنى الفكرية والمؤسسية والجيوسياسية التي تنتج هذه التحولات، وتطرح مفاهيم ونماذج تفسيرية توس ِِّع آفاق البحث في قضايا السياسة الدولية والدراسات الإستراتيجية. وانطلاقًًا من الإسهام في تطوير المعرفة العلمية، " لباب " هذا التوجه، يواصل هذا العدد من مجلة من خلال دراسات تعم ِِّق فهم التحولات الجارية، وتثري أدوات تحليلها، وتفتح آفاقًًا جديدة لاستشراف مساراتها.

دراسات وأبحاث

الجغرافيا السياسية للشر: جزيرة إبستين نموذج ًًا The Geopolitics of Evil: Epstein Island as a Case Study * Mohammed Mukhtar Al Khalil – محمد المختار الخليل ملخص س ـَة ًً، لتبحـث في �ِِّ عـَة مُُؤََس �ِِ تنطلـق هـذه الدراسـة مـن جزيـرة إبسـتين، بوصفهـا واق سـؤال يتجاوزهـا: لماذا تتكـرر الجـزر فضـاءات لاحتضـان أنمـاط مختلفـة مـن الشـر في التاريـخ القديـم والحديـث؟ وتفتـرض الدراسـة أن هـذا الارتبـاط لا يرجـع إلـى خصائـص الجـزر الطبيعيـة، ولا إلـى مـا أحـاط بهـا مـن أسـاطير، وإنمـا إلـى مـا تؤديـه مـن وظائـف جيوسياسـية تجعلهـا مجـالات للاسـتثناء، والعـزل، وإعـادة توزيـع العلاقـة بيـن السـلطة والقانـون والرقابـة. ، " الجغرافيــا السياســية للشــر " ولبنــاء هــذا التفســير، تؤ ِّصِــل الدراســة مفهــوم مسـتفيدة مـن إسـهامات ديفيـد هـارفي في إعـادة تشـكيل المجـال، وميشـيل فوكـو في فضــاءات الإقصــاء وتنظيــم الظهــور والإخفــاء، وجورجيــو أغامبــن في نظريــة الاسـتثناء وتعليـق القانـون، وإيـف لاكوسـت في فهـم الجغرافيـا بوصفهـا أداة لإنتـاج ج ـًا تفسـيري ًّّا يربـط � قـًا مـن هـذا التأصيـل، تقتـرح الدراسـة نموذ � القـوة والصـراع. وانطلا بيـن العزلـة الجغرافيـة، والاسـتثناء القانونـي، وشـبكات النفـوذ، والسـردية الإعلاميـة، . " جـزر الشـر " بوصفهـا عناصـر بنيويـة مشـتركة في تكويـن وتختبـر الدراسـة هـذا النمـوذج من خلال ثلاث حـالات مقارنـة، هي: قاعـدة غوانتانامو، يـِن أن اخـتلاف الوظائـف لا ينفـي � وجـزر التجـارب النوويـة، وجـزر الاقتصـاد السـري، لتب وحـدة البنيـة؛ فهـذه الجـزر، على تبايـن أغراضهـا، تشـترك في توظيـف الجغرافيـا س ـُلطة والقانـون � لإنتـاج فضـاءات اسـتثنائية، تُُعـاد فيهـا صياغـة العلاقـة بيـن ال ورأس المال والرقابـة. يـّا، � فـًا أخلاق � يـّا أو توصي � مـًا جغراف � ليسـت مفهو " جـزر الشـر " وتخلـص الدراسـة إلـى أن وإنمـا نمـوذج تفسـيري يوضـح كيـف تتحـول الجغرافيـا، في الدولـة الحديثـة والنظـام الدولـي المعاصـر، إلـى أداة لإنتـاج الاسـتثناء، وإعـادة تشـكيل شـبكات القـوة، بمـا اًا في بنـاء النفـوذ وإدارة الهيمنـة. يجعـل الـمكان نفسـه عنصـرًًا فـاعل الجغرافيـا السياسـية، جـزر الشـر، جزيـرة إبسـتين، الاسـتثناء، الكلمـات المفتاحيـة: الجغرافيـا السياسـية للشـر، شـبكات النفـوذ، ميشـيل فوكـو، جورجيـو أغامبـن، إيـف لاكوسـت.

* د. محمد المختار الخليل، مدير مركز الجزيرة للدراسات.

Dr. Mohammed Mukhtar Al Khalil, Director of Al Jazeera Centre for Studies.

Abstract This study takes Epstein Island as a foundational case to address a broader question: Why have islands repeatedly emerged as spaces that accommodate different forms of evil throughout ancient and modern history? It argues that this association cannot be explained by the natural characteristics of islands or by the myths historically attached to them. Rather, it stems from the geopolitical functions islands perform as spaces of exception, isolation, and the reconfiguration of the relationship between power, law and surveillance. To develop this argument, the study establishes the concept of the “geopolitics of evil”, drawing on David Harvey’s analysis of the production and restructuring of space, Michel Foucault’s work on spaces of exclusion and the regulation of visibility and invisibility, Giorgio Agamben’s theory of the state of exception and the suspension of law, and Yves Lacoste’s conception of geography as an instrument for the production of power and conflict. Building on these theoretical foundations, the study proposes an analytical model that links geographical isolation, legal exceptionality, networks of influence and media narratives as the shared structural elements underlying the formation of “islands of evil”. The study tests this model through a comparative analysis of three cases: Guantanamo Bay, nuclear testing islands, and islands of the shadow economy. It demonstrates that differences in function do not negate the underlying structural unity. Despite their divergent purposes, these islands all employ geography to produce exceptional spaces in which the relationships among power, law, capital and surveillance are fundamentally reconfigured. The study concludes that “islands of evil” should be understood neither as a geographical category nor as a moral label, but as an analytical framework that explains how geography, within the modern state and the contemporary international order, becomes an instrument for producing states of exception and restructuring networks of power, thereby making place itself an active agent in the construction of influence and the management of domination. Keywords: geopolitics; islands of evil; Epstein Island; exception; geopolitics of evil; networks of power; Michel Foucault; Giorgio Agamben; Yves Lacoste.

13 |

مقدمة ارتبطت الجزر، عبر التاريخ، بالمجهول والأســطورة والمنفى والعزلة. ففي المخيال الإنساني كانت موطنًًا للآلهة، أو الشياطين، أو المنفيين، أو الكائنات الخارقة، غير أن الدولة الحديثة أعادت توظيف هذا الإرث الجغرافي والرمزي في سياقات جديدة؛ فلم تعد الجزيرة فضاء للأسطورة فحسب، بل غدت، في حالات عديدة، فضاء للاستثناء، تُُعاد فيه صياغة العلاقة بين الســلطة والقانون والرقابة. ومن هنا تنطلق هذه الدراسة ، بوصفه إطارًًا تفسيريًّّا لفهم الكيفية التي تتحول " الجغرافيا السياسية للشر " من مفهوم بهــا بعض الفضاءات الجغرافية إلى أدوات لإنتاج الاســتثناء، وإدارة النفوذ، وتهيئة فضاءات للممارسات التي يصعب أن تجد موطئًًا لها في المجال العام. وترتكز هذه الدراسة على تحليل الحالة الغربية الحديثة، وتحاكمها إلى الفكر الغربي نفسه، دون أن تمتد إلى المراحل التاريخية السابقة، ولاسيما ما قبل القرن العشرين، أو إلى مواقف أخلاقية أو فلسفية تنتمي إلى مرجعيات حضارية أخرى. فهي تتناول منتج ًًا نشأ في السياق الغربي الحديث، وتسعى إلى مساءلته ونقده انطلاقًًا من معاييره الفكرية والأخلاقية ذاتها، دون الاستناد إلى منظومات قيمية خارج هذا الإطار. ولا يعني ذلك أن الجغرافيا تنتج الشر بذاتها، أو أن بعض الأمكنة شريرة بطبيعتها، وإنما المقصود أن بعض الفضاءات الجغرافية اقترنت، عبر التاريخ، بوظائف سياسية وقانونيــة واقتصاديــة، جعلتها أكثــر قابلية لاحتضان أنماط معينة من الممارســات. فالجغرافيا، بهذا المعنى، ليست مجرد مسرح محايد للأحداث، بل قد تصبح عنصرًًا ا في تشكيلها، وإعادة توزيع العلاقة بين القوة والقانون والمجتمع. فاعل ًا تتراجع الرقابة، ويضعف إنفاذ القانون، وتنحســر الرؤية الكاشفة، " جزر الشــر " وفي فتغدو فضاءات للاستثناء، تتجسد فيها خصائص العزلة والتحكم والسرية. وقد كان ذلك حاضرًًا في المخيال القديم، ثم تجســد بصور جديدة في العصر الحديث حين احتاجت الدول وشــبكات المصالح إلى مجالات تؤدي وظائف استثنائية؛ تبدو، في ظاهرها، خاضعة للقانون، بينما أُُريد لها، في واقع الأمر، أن تتيح قدرًًا من الانفلات منه. وما غوانتانامو وجزر التجارب النووية وجزر الاقتصاد السري إلا نماذج مختلفة لوظيفة واحدة، تتغير أدواتها وتبقى بنيتها.

| 14

وتنطلق الدراســة من جزيرة إبســتين بوصفها واقعة مؤس ِِّســةًً، لا لأنها حالة منفردة، وإنما لأنها تكشــف بنية جيوسياســية تتكرر، بصور ووظائف مختلفة، في فضاءات أخرى. ومن ثم، تحاول الدراســة الإجابة عن إشــكاليتها المركزية: هل تعيد الدولة الحديثة إنتاج صورة الشــر في الهوامش، ولاســيما في الجزر؟ وهل توظفها لتكون ا للممنوعات وفضاء للمحظورات؟ وكيف يســهم المجال الهامشــي في إدامة مجال ًا الممارسات المحظورة؟ وهل تجس ِِّد جزيرة إبستين نموذج ًًا سياسيًّّا لما يمكن تسميته ؟ " الجغرافيا السياسية للشر " ّسة: جزيرة إبستين ˷ِّ ا : الواقعة المؤس أول ًا العذراء " )، إحدى جزر Little Saint James ( " ليتل ســانت جيمس " لم تكن جزيرة اكهــا وزائريها، حتى اشــتراها الملياردير )، معروفة خــارج نطاق مُُل َّا 2 ( " الأميركيــة ، فتحوََّلــت، مع مرور الوقت، من جزيرة 1998 )، عام 1 الأميركي، جيفري إبســتين( خاصــة شــبه مجهولة إلى واحدة من أكثر الجــزر إثارة للجدل في العصر الحديث. ولم يكن هذا التحول نتيجة موقعها أو طبيعتها وإنما لما انكشــف من الوظيفة التي أدََّتها داخل شبكة معقدة من العلاقات والممارسات الإجرامية. وتفيــد الدعــاوى التي رفعتها ناجيات -أو من بقين على قيد الحياة، أو تجرََّأن على كشف ما تعرضن له في الجزيرة-، وما انتهى إليه المد ََّعُُون العامُُّون الأميركيون، بأن الجزيــرة لم تكن مجرد مقر إقامة خاص، وإنما مثََّلت، لعقود، فضاء منظمًًا للاتجار الجنســي، ولاسيما اســتغلال القاصرات؛ إذ تضمنت الشهادات وقائع تتعلق بفتيات ). واستمر هذا النشاط 1 تراوحت أعمار بعضهن بين الحادية عشــرة والثانية عشــرة( ). كما تكشف 2 ( 2010 في جزر العذراء منذ عام " مجرمًًا جنسيًّّا " رغم تسجيل إبستين ســجلات الطيران عن زيارات قامت بها شــخصيات دولية بارزة للجزيرة، في حين تحدثت بعض الناجيات عن تعرضهن لاعتداءات أو تحرشات جنسية ارتكبها بعض .) 3 زائريها( ولــم تبق هذه الوقائع في حدود الشــهادات الفردية؛ إذ دعمتها معطيات وتحقيقات رســمية أظهرت أن الجزيرة كانت تدار بطريقة وفرت للنشــاط الإجرامي قدرًًا كبيرًًا

15 |

من الاستمرار والحماية. فقد توصلت السلطات إلى أن إبستين كان يستقدم قاصرات بصورة متكررة على متن طائرته الخاصة، من دون أن يحول ذلك دون استمرار نشاطه .) 4 سنوات طويلة( في ظروف غامضة، انتقلت 2019 وبعد اعتقال إبســتين، ثم مصرعه في محبســه عام الجزيرة نفســها إلى قلب التحقيقات، فداهمها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي ). ثم تتابعت الوقائع التي كشــفت تدريجيًّّا طبيعة ما جرى فيها؛ ففي 5 لجمع الأدلة( توصلت حكومة جزر العذراء الأميركية إلى تسوية مع تركة إبستين تجاوزت 2022 عام ملايين دولار، شملت نصف عائدات بيع الجزيرة، في إطار دعاوى تتعلق 105 قيمتها .) 6 بالاتجار الجنسي والاعتداء على عشرات الفتيات والأطفال( ، نشرت 2025 ولم يتوقف انكشــاف الجزيرة عند ذلك؛ ففي ديســمبر/ كانون الأول لجنــة الرقابة في مجلس النواب الأميركي صورًًا ومقاطع مصورة التقطتها ســلطات جــزر العذراء، ألقت الضوء على مرافق الجزيرة والأماكن المرتبطة بالتحقيقات، من - WIRED ). كما كشفت تحقيقات لاحقة -منها تحقيق مجلة 7 دون إظهار أشخاص( عن بيانات هواتف محمولة لنحو مئتي زائر للجزيرة قبل وفاة إبستين، بما أظهر اتساع ، أصدرت وزارة العدل 2026 ). وفي يناير/كانون الثانــي 8 شــبكة المترددين عليها( الأميركية ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المرتبطة بالقضية، تضم ََّنت تفاصيل إضافية عن شــبكة علاقات إبستين، ومحاولات -لم تتأكد نتائجها- لزيارة شخصيات عامة ). أما الجزيرة نفســها فقد بيعت وفق التســوية المشار إليها، بينما لا تزال 9 للجزيرة( .) 10 التحقيقات المتعلقة بما ارتكب فيها من جرائم مستمرة( ثانيًًا: الجغرافيا السياسية للشر: التأصيل النظري يُُقصد بالجغرافيا السياسية للشر، في هذه الدراسة، المجال الذي تُُنظ ََّم فيه الممارسات سـَكينة العامة في اصطلاح القانون � المنافية للأخلاق، والقانون، والنظام العام، أو ال الإداري. وهو مجال تتراجع فيه رقابة المجتمع، وتضعف فيه سلطة القانون، فتتشكل داخله شــبكات مصالح تتخادم وتتبادل منافع يحظرها القانون في المجال العام، أو يفرض عليها قيودًًا صارمة.

| 16

ويقــوم هــذا المجال على تهيئة بيئــة تبتعد، بدرجات متفاوتة، عــن الأطر القانونية والشــرعية المعتادة. ولا يدخل ذلك في باب الحتمية أو القدرية أو الغيبيات بل هو نتاج فعل بشــري خالص يتســم بالعزلة المادية عن عموم النــاس، وبإخضاع منافذ الدخول إليه لسيطرة مالكيه أو مستغلِِّيه أو مشغِِّليه، مع انحسار الاختصاص القضائي الفعلي وارتفاع مســتويات السرية وتشتيت المسؤولية واستخدام أساليب متعددة من التضليل المقنََّع. س ـ ًا علــى ذلك، يقوم البناء النظري لهذه الدراســة علــى أربعة مداخل فكرية � وتأسي رئيســة. يتمثل أولها في ديفيد هارفي، الذي ينظر إلى إعادة تشكيل المجال بوصفها أداة متجددة لإنتاج السلطة. ويتمثل ثانيها في ميشيل فوكو، من خلال تحليله لفضاء . أما ثالثها فيتمثل في جورجيو أغامبن، ونظريته " سفينة المجانين " الإقصاء الرمزي في ، التي تتقاطع، في دلالتها، " المنطقة المعلََّقة " في فضاءات الاســتثناء، أو ما يســميه بـ مع السفينة العائمة عند فوكو. وأخيرًًا، تستند الدراسة إلى إيف لاكوست في تحليله ا لتوازنات القوة والصراع في الفضاء الإستراتيجي. للجغرافيا بوصفها مجالًا المجال أداة سلطوية متجددة )، تبحث الرأســمالية عن حل لأزماتها عبر إعادة تشكيل 11 في منظور ديفيد هارفي( المجــال؛ فالإنتاج المســتمر لجغرافيات جديدة ليس ســوى إنتــاج متجدد لأدوات السلطة. ويؤدي ضغط الزمان والمجال إلى تسريع حركة رأس المال ودورانه، على نحو يشبه ما تفعله الطبيعة في المجال. وهكذا يغدو المجال أداة للتراكم، تتسارع من خلالها حركة رأس المال، وتُُستوعََب فوائض الإنتاج. كما يسهم ضغط الزمان والمجال في تقليص المسافات زمانيًًّا ومكانيًًّا، بمــا يعج ِِّل دوران رأس المــال، ويُُنتج جغرافيات جديدة. وفي منطقه الأيديولوجي، يتحول الفضاء إلى حقل للصراع الطبقي، فتغدو الجغرافيا نتاج ًًا لمصالح تراكم رأس المال، ويصبح المجال مركزًًا للقوة يقود المجالات الأخرى، وسلعة قائمة بذاتها. وباختصار، تمثل الجغرافيا عند هارفي أداة سياســية واقتصادية ومالية تضمن الهيمنة الرأســمالية من خلال إعادة تشــكيل المجال على نحو دائم. وفي هذا السياق، تبدو الجزر، بما هي فضاءات استثنائية ومعزولة، وضعيفة الخضوع لقواعد الشفافية، بيئات

17 |

مهيأة للاســتثمار الرأسمالي؛ إذ تتيح محدودية الرقابة القانونية والمجتمعية الاحتكار والانفراد بالربح والتهرب من الضرائب والرسوم بما يعزِِّز نفوذ السلطة وحلفائها من .) 12 الرأسماليين( الاستثناء من المؤقت إلى الدائم الاســتثناء، في القانــون وقواعد الحكم، هو تعليق للقاعــدة بالقاعدة، لا بفعل آثار الطوارئ المؤقتة، وإنما بتحويل أثرها إلى حالة دائمة؛ أي إن ما يبدأ حُُكمًًا استثنائيًًّا تفرضه الطوارئ يغدو، مع الزمن، قاعدة عامة، حتى بعد زوال دواعيه. وبهذا المنظور، تغدو مجالات الاستثناء جزءًًا من المنظومة لا خارجها؛ فهي استثناء يصنعه القرار السياســي، وتكرِِّسه الممارسة المتكررة. ومن هذا المدخل يمكن فهم الجزر المعزولة جغرافيًًّا، المحدودة المداخل، والمتصلة وظيفيًًّا بالشبكات؛ إذ تجعلها طبيعتها الجغرافية أكثر قابلية للعزل من غيرها من فضاءات اليابسة المتصلة. )، تُُمارََس السلطة عبر إنتاج المعرفة والانضباط والتصنيف، 13 وفي منطق ميشيل فوكو( وتحديد فضاءات لإدارة الأجساد، سجنًًا كانت أو معسكرًًا أو مصحة. ومن ثم، تصبح الجزيرة قابلة للضبط الخارجي لسهولة التحكم في منافذها، في الوقت الذي تنحسر فيه الرقابة المجتمعية والقانونية داخلها، فتغدو بيئة أكثر ملاءمة لعمل الشبكات، بما تفرضه من تنظيم يحفظ مصالحها، ويحوِِّلها إلى فضاء للانضباط من غير مســاءلة، ، حدََّد فوكو بنية جغرافية لما يمكن " تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي " في كتابه ا رمزيًًّا يعكس تخيل ًا " سفينة المجانين " ، حين استعار " الإقصاء الحضاري " تســميته بـ مفهومة في " حالة اجتماعية " انتقــال المجتمع الأوروبي من احتــواء الجنون بوصفه أي مجتمــع يمكنه احتواؤها، إلى حالة منفية عبر فضاءات حدودية عائمة، لا تنتمي لحالة اليابســة، التي هي الســكن الطبيعي لأغلب البشر، ولا تنتمي أيض ًًا لحالة الماء التي ترمز إلى الحياة والتطهر والغموض، فهي حالة نفي مكتملة، المســتهدََفون بها مذبذبون؛ لا ينتمون لعالم الإنسان ولا يغرقون في عالم المجهول. وللرقابة من غير رقيب. نفي الحداثة المبكرة للآخر

| 18

المجنون هنا لا يُُقتل، ففعله أو عقوبته أقل من القتل، لكنه أيض ًًا لا يُُدمج؛ أي لا يعالج ليكون قادرًًا على العيش داخل المجتمع، ومن ثم تنشــأ حالة عبور دائمة أو انتقال مستمر؛ بين اليابسة والبحر، بين المعلوم والمجهول، بين المحدد وغير المحدد، أو -إن شئت- بين المعقول واللامعقول. ؛ فإذا كان المنفى في " المنفى المتحرك " سـ ِد ســفينة مجانين فوكو بهذا المعنى � وتج صورته التقليدية جزيرة في بحر، أو في عزلة محددة مفروضة، فإنه يتحول عند فوكو إلى مجال إخفاء وعزل داخل شبكة السلطة، وضمن آليات إدارتها وإرادتها الواعية. ومن هذا المنظور يمكن قراءة جزيرة إبستين عنوانًًا لتحوُُّل جيوسياسي لبنية الإقصاء أو النفي؛ فبينما تمثل سفينة فوكو جزيرة متحركة، تجسد جزيرة إبستين جزيرة ثابتة تؤدِِّي الوظيفة ذاتها. وتبعًًا لمنطق الاســتثناء الذي تمارســه الســلطة في حالة إبستين، يثور التساؤل: هل عند فوكو علاقة بالســلطة؟ والإجابة: نعم؛ فالســلطة هي التي " ســفينة المجانين " لـ تتخذ قرار الاقصاء، وهي التي تحدد الفضاء الذي يُُمارََس فيه، فتجعل السفينة جزيرة عائمة تحمل صفة الاســتثناء، ســواء في طبيعة مجال الحياة، أم في القواعد القانونية لا ينظر فوكو إلى الجنون من الزاوية المََرََضية بل يعالج موضوعه بوصفه مادة لإنتاج . فالجنون عنده ليس حالة بيولوجية أو نفسية محددة بل هو نتيجة " السلطة والمعنى " عملية تاريخية فصلت بين المعقول واللامعقول، وأعادت ترتيب المنظومة الاجتماعية تبعًًا لذلك. ومن ثم يغدو الجنون ظاهرة اجتماعية أنتجها المعنى والســلطة، وليس حالة نفسية أو بيولوجية كغيرها من الظواهر. تظهر رمزية هذا الترتيب؛ إنها فضاء عائم، غائم، غامض، يحمل " سفينة المجانين " في ، بعيدًًا عن المنظومة الاجتماعية، من غير أن يعالجهم أو يقتلهم " آخريــن مختلفيــن " ا؛ فهم في أو يعاملهم طبقًًا للعزل المعروف في السجون أو في الجزر المُُعرََّفة مجالًا ســفينة لا تمخر البحر إلا لتســتقر على المرسى ثم تعاود الإبحار مرة أخرى، وهلم جــرََّا. إنهــا صيغة مبكرة لتعليق حكم الإعــدام أو تجميده قبل إلغائه، أو هي صيغة والاجتماعية التي تحكمه. الجنون والعلاقة بالسلطة

19 |

لإقصاء غير دموي لكنه قاتل معنويًًّا؛ إذ يظل مجاله غير محدد، شــأن الســفينة في البحر، فلا هي مســتقرة فيه ولا هي منتهية الترحال إلى المرســى أو الميناء، وإنما تظل معلقة بينهما كالكرة يتقاذفانها، لا تستقر في ناحية إلا لتنطلق نحو الأخرى. تترجم جوهر الســلطة الحديثة عند فوكو؛ فالسلطة لا تدمر الآخر بل " البيني ََّة " وهذه تعيد موضعته خارج مركز الشرعية، وذلك بعزل من تعده منظومتها خطرًًا رمزيًًّا عليها. وبذا تكون ســفينة فوكو تجســيدًًا ثقافيًًّا للعلاقة بين المعنى والسلطة في إنتاج الآخر وإقصائه. تعليق القانون يرى الفيلسوف الإيطالي، جورجيو أغامبن، أن جوهر السيادة يتمثل في القدرة على تعليق القانون داخل حيز جغرافي معين. فالسيادة لا تتجلى في احتكار العنف أو في سـ َِّن القوانين فقط؛ وإنما في القدرة على تعليق القانون وإيجاد فضاء استثنائي يُُعلََّق � فيــه القانــون دون أن يختفي. هنا لا يغيب القانون بالمطلق، بل يظل حاضرًًا بوصفه ســلطة تملك حق تعليق نفسها، أو تجميد مقتضياتها، وبذلك تتحول حالة الاستثناء من تدبير مؤقت إلى تقنية دائمة من تقنيات الحكم، يغدو معها الاســتثناء جزءًًا من البنية الطبيعية للسيادة الحديثة. ويترتب على ذلك أن الســلطة الســيادية، وفق أغامبن، لا تُُعرََّف بحدودها القانونية، وإنما بقدرتها على إنتاج فضاءات تقع عند الحدود بين القانون واللاقانون. إنها القدرة علــى التحك ُُّم في القانون بالقانون وتحك ُُّم الســلطة فــي الاثنين؛ لأنها صانعة لهما، مسيطرة على تحقيق مقتضياتهما. في هذه الفضاءات يُُختزل الإنسان إلى ما يسميه أغامبن بالحياة العارية أو المكشوفة مـ ًا؛ أي الحياة المجرََّدة من الضمانات السياســية والحقوقية؛ بحيث يصبح الفرد � تما خاضعًًا للسلطة من غير أن يتمتع بالحماية القانونية الكاملة. ومن هنا يغدو المعسكر -وليس الســجن أو المحكمة- النموذج السياسي الأبرز للحداثة؛ لأنه يمثِِّل المكان الذي تتجســد فيه حالة الاســتثناء بصورة دائمة؛ حيث يستمر النظام القانوني شكليًّّا بينما تتوقف آثاره العملية على فئة أو جماعة أو إقليم معين.

| 20

ومن هذا المنظور، لا تقتصر حالة الاستثناء على المعسكرات أو مناطق الحرب بل تمتد إلى طيف واســع من الفضاءات التي تُُعط ََّل فيها القواعد القانونية باســم الأمن أو الســيادة أو الضرورة، مثل مناطق الاحتلال ومراكز الاحتجاز خارج الاختصاص القضائي وبعض الجزر المعزولة التي تُُدار وفق نظم استثنائية. ولذلك أصبح تصور أغامبن أحد أكثر الأطر النظرية تأثيرًًا في تحليل الجغرافيا السياسية للسلطة؛ إذ يكشف أن الســيادة لا تُُمارََس فقط عبر رســم الحدود وإنما أيض ًًا عبر إنشاء مناطق استثناء؛ لـَق فيها القواعد القانونية، فتغدو الجغرافيــا ذاتها أداة لإعادة تعريف العلاقة بين � تُُع .) 14 السلطة والقانون والإنسان( بين فوكو وأغامبن يحــدد جورجيو أغامبن أن جوهر الســيادة يتمثــل في القدرة على تعليق القانون في مساحة معينة، فالسيادة ليست في تطبيق القانون كما يكون، ولا في غيابه أو انعدامه ا، بل في حضوره بوصفه معلََّقًًا أو مغيبًًّا اختيارًًا ووعيًًا. أصل ًا إن فوكو ينفي الآخر، أو المختلِِف، خارج المدينة، أو -إن شئت- اليابسة، ويجعله حالة معلََّقة بين بين؛ لا هو في اليابسة استقرارًًا، ولا في البحر سكونًًا، في حين يرى أغامبن أن الدولة تََعزِِل (تُُعْْزََلُُ) بالاستثناء داخل النظام بصيغة خارجة على القانون؛ فالاســتثناء إذن هو ما يربط بين الفيلسوفين في الفعل لكنه عند فوكو جغرافي بيني، بينما هو قانوني سيادي عند أغامبن. بذا ندرك أن الســفينة منفى لا يرتبط باليابســة وفي الوقت نفســه فإنه لايســتقر في البحر؛ فهي منفى متحرك عائم، أما الجزيرة المستثناة في عالمنا المعاصر فهي مجال ا وإجراءات، أو ســيادي لــه خصوصية في التملك والحيازة؛ تُُعلََّق فيــه القوانين فعلًا ا وممالأة، وتنعدم فيه رقابة المجتمع، وتتأجل فيه المحاســبة التي لا نتيجة واحتيالًا تتأتى إلا بالاســتثناء القهري، وبذا يمكن القول: إن الجغرافيا الطبيعية هنا، بصيغتها السياسية، تنتقل من ممارسة الإبعاد إلى تأطير التحصين. الجغرافيا أداة للصراع التضاريس " في ســعيه لتحرير الجغرافيا مما أســماه صورتها المدرسية القاصرة على ، وأنها " س ـ ُْلْطة � معرفة إســتراتيجية مرتبطة بال " وإبراز حقيقتها " والأنهــار والجغرافيا

21 |

،) 15 ، عََد الجيوسياســي الفرنسي، إيف لاكوست( " ا لصناعة الحرب تُُســتعمل أولًا " هو ســؤال السياسي الإستراتيجي، أما " من يســيطر على المكان؟ ولماذا؟ " ســؤال: ، فهو في رأيه سؤال السائح أو الجغرافي الوصفي الذي " كيف يبدو المكان؟ " سؤال: لا ينفذ إلى معنى النفوذ وصراعات المصالح. فالجغرافيا عند لاكوست معرََّفة بالسلطة؛ إذ كل سلطة، مهما كانت طبيعتها، تمتلك معرفة دقيقة بالمجال الذي تحكمه أو تســعى إلى بســط نفوذها عليه. ومن ثم، فإن الجغرافيــا الطبيعيــة من ممرات وجبال وبحار وأنهار ومــوارد طبيعية وخرائط، هي أدوات لاتخاذ القرار السياســي السلطوي، وليست معلومات أو معطيات بريئة خالية من المعنى السياسي. ومن ثم فإن الجغرافيا -بهذا المنظور- مكو ِِّن من مكو ِِّنات القوة الوطنية عند لاكوست؛ إذ تمنح الدولة ممارســة السلطة؛ فرض ًًا للنفوذ، أو إدارة للسلم أو للحرب بمختلف أبعادهــا. ولــذا فقد خدمت الجغرافيا الإمبراطوريات قبــل أن تدخل مجال الدرس الأكاديمي والتفكير الفلســفي؛ فالخريطة في أصلها وثيقة عسكرية، وفهم التضاريس شرط للغزو كما هو شرط للدفاع. إن الحقيقة الجغرافية لدى لاكوســت تعني اختيار ما يُُرســم، فيُُثبََّت على الخارطة، وما يُُهمََل فيسقط من التفكير الإستراتيجي، وما يُُبرََز لتشكيل الرؤية، وما يُُخْْفََى في ا سياسيًًّا بامتياز؛ فالخرائط هي سياق الفعل السياسي. ومن ثم، تصبح الجغرافيا فعلًا نتــاج رؤيــة للعالم لا مجرد تمثيل للطبيعة، وما يترتب على هذه الرؤية من تفســير إنمــا هــو تدليل على نجاعة هذا التصور أو تســويغ لاتخــاذه. فحدود الدولة تعني منطقة أمنية لســلطتها، وموطنًًا تاريخيًًّا لسكانها، وخطوط الحدود والممرات البحرية ومناطق النفوذ خطوط تعكس حقائق الطبيعة، وبذا تتحول الجغرافيا إلى أداة خادمة لأيديولوجيا السلطة، وترجمة لسرديتها السياسية، وليست مجرد علم وصفي محايد. وينعكس ذلك في الربط -لدى لاكوســت- في العلاقة بين الســيطرة على المكان والســيطرة على الإنسان؛ فكل سيطرة على المجال هي سيطرة على ساكنيه. ولذلك فإن الصراع على الأرض صراع على الإنســان وللإنسان، قبل أن يكون صراعًًا على المــوارد والمواقــع والممرات؛ إذ إن التحكم فــي كل ذلك يعني التحكم في حركة الإنسان ثقافة واقتصادًًا وتجارةًً.

| 22

ا، كهرمز وباب مــن هنا، فإن الصراع علــى المضائق والممرات البحرية اليــوم مثلًا المندب وقناة الســويس؛ لا يتعلق بقيمتها الجغرافية المجردة بل بما تتيحه من قدرة علــى التأثيــر في اقتصاد العالم والنفوذ إلى مواقع صنع القرار السياســي في الدول المعنية. وعلى هذا الأســاس، لا ينفك فهم السياســة الدولية عن فهم الجغرافيا؛ إذ الحروب لا تنشــأ في فراغ وإنما في مجال محدد الخصائص، ترســم الدول تحركها فيه بناء علــى فرصــه وإكراهاته. ومن ثم، فإن التنافس في بحــر الصين، أو في الخليج، أو القطب الشــمالي، لا تفســره الأيديولوجيات منفردة بل تشرحه كذلك الجغرافيا بما ا للنفوذ تبرزه من قيمة إستراتيجية تجعل تلك المناطق ومثيلاتها مصدرًًا للقوة ومجالًا في الصراع. وخلاصة تصوُُّر لاكوســت أن الجغرافيا ليســت عِِلمًًا بالمكان، وإنما علم بالصراع علــى المــكان، ولعمري فإنها كذلك؛ بما هــي إدراك لطبائع المكان الذي يقود إلى الصراع عليه، نفوذًًا وتحكمًًا. وبما أن لاكوســت انتهى إلى أن الجغرافيا أداة هيمنة وصراع؛ ولم تكن أبدًًا وصفًًا محايدًًا للمجال، فإن اختياره الجزيرة محضنًًا للشر، بهذا المنطق، ليس صدفة بل قرارًًا سياسيًًّا بامتياز، دعت إليه القدرة على التحكم في المنافذ، والبعد عن نواظر المجتمع؛ وما يترتب على ذلك من ضعف الرقابة القانونية والشفافية الإدارية. وهذا يحيل إلى أن المجال، في جوهره، صنعة سياســية، تصورًًا وممارســة. فالجزر، بحكم عزلتها، ا أوسع للتحكم، بما هي معزولة؛ لا تخضع لقواعد الشفافية، ولا تتيح للسلطة مجالًا القانون ولا لسلطان المجتمع العرفي. إن قراءة الفضاء المعزول من خلال فوكو وأغامبن ولاكوست، تكشف أن الجغرافيا التي " سفينة المجانين " ليست حيادية في إدارة الانحراف الأخلاقي أو السياسي. فمن حملــت المختلفين بعيدًًا عن المدينة، إلى فضاءات الاســتثناء المعاصرة التي يُُعلََّق فيها القانون، يظهر بجلاء أن الســلطة لا تُُقصي الشر، بل تُُعيد هندسة موضعه، وبذا يصبح الفضاء أداة تنظيم للمرئي والمخفي، ويغدو العزل الجغرافي أحد أشكال إنتاج الحقيقة السياسية ذاتها.

23 |

ثالثًًا: الجزر الاستثنائية: نموذج تفسيري ظََل الإنســان، منذ فجر التاريخ، يبحث عن موضع يودع فيه مخاوفه وأســراره بعيدًًا عن أعين الفضول، ويلجأ إليه هربًًا من مخالفة القانون أو ســطوة الرأي العام، قبيلة كان أو دولة. ولذلك أســكن الخيال الوثني آلهتََه الجبالََ، وأودع الأرواح الكهوف، وجعل جزر البحار البعيدة موطنًًا للشيطان، ومعه الجن والسحرة والكائنات الخارقة. وتجسد هذه الصورة علاقة الإنسان بالمجهول النسبي؛ فلم تكن مجرد انعكاس لخيال ديني بل ارتبطت بطبيعة الإنســان التي جعلته، كلما ابتعد عن عالم العمران، اقترب من عالم الأساطير والخرافات والشعوذات. وفي القرن الحادي والعشرين، وبعد أن تراجعت سلطة الأسطورة وانكشف كثير من الغيب النسبي، غدت الجزر، في بعض ا لإخفاء شبكات بشرية تفوق الجن غرابة والشياطين شرًًّا. صورها، مجالًا شـَِّر بناء نموذج تفســيري للجزيرة � ومن هذا المنطلق، تتيح الجغرافيا السياســية لل الاستثنائية لا من زاوية عزلتها الجغرافية وحدها وإنما من خلال تحليل بنيتها، وقراءة تفاعلها مع القانون والاقتصاد والمال وشــبكات المصالح والنفوذ. ويفتح ذلك بابًًا لفهــم الجزر في الدولة المعاصرة بوصفها فضاءات تؤدي وظائف محددة، لا مجرد تكوينات جغرافية أو أقاليم وطنية عادية. ويمكن تفسير ذلك من خلال خمسة أبعاد رئيسة: - ببنية المجال؛ فالبحر يوفر عزلــة للجزيرة تتيح التحكم في يتعلــق البُعــد الأول الوصــول إليهــا عن طريق موانئها المحدودة، فتكــون منافذ الوصول أداة ضبط وتحكم سياسي. - فيتمثل في ســيادة مفهوم الاســتثناء؛ تقنية للتحكم وأداة للنفوذ؛ أما البعد الثاني فالمنطقة الرمادية المتسعة في سلطة الجزيرة تجعل القانون ضعيف النفاذ، محدود السلطة والسطوة؛ مما يجعل تنفيذه بطيئًا حتى يكاد يختفي. - يتحدد بســرية الاقتصاد؛ فالمجال الجزيــري مجال تتداخل فيه والبعــد الثالث الملكية الخاصة، والواجهات المؤسسية، مع آليات الحد من الرقابة الاجتماعية، خاصة في بُعدها الإعلامي؛ حيث تتشــكَّل صناعة الرأي العام المتحفزة لحماية القانون والأخلاق. وهكذا تتحول الجزيرة إلى بنية استثمار أو تشغيل رأسمالي، تتحكم فيما يظهر للمراقب، ولا تكشف طبيعتها كاملة.

| 24

- فيتمثل في حفنة خفية مــن أصحاب النفوذ، تحمي مصالحها أمــا البعــد الرابع؛ وتضمن استمرارها؛ فالعلاقات المتشابكة بين هؤلاء النافذين وأصحاب المصالح تحوِّل المجال إلى عقدة مصالح، تحميها شبكة العلاقات. - فيتعلق بالسردية، بما هي قصة مقنعة للجمهور، تفسِّر المجال أما البعد الخامس عبــر اختزاله في جزيرة بذاتها، أو شــخصية تكون عنوانًا، فيؤســطَر المكان أو يُشــيطَن، وبذلك تتبدد المسؤولية البنيوية المعقدة للجزيرة، ولشبكات المصالح المرتبطة بها خارج الشرعية. وبذا، تصبح الجزيرة جهاز مصالح في مجال سياســي، وليســت مجرد مســرح شر صنعته الأســطورة، أو زيََّنته الشــياطين، أو اص ْْطََفََته يد المصالح البشرية المرئية، بل جهــازًًا جيوسياســيََّا معقدًًا، تضافرت تلك العوامل على صنعــه، وحو ََّلته من مجال طبيعي إلى شــبكة علاقات عابرة ذات نفوذ ومصالح، تحققت من خلال الجغرافيا العازلة، المخفية، البعيدة عن أعين الرأي العام. ا للمصالح؛ يعمل خلف واجهة قانونية، بينما وبهذا المنظور تبدو جزيرة إبستين مجالًا يُُدار عمليًًّا خارج رقابة القانون، بعيدًًا عن أعين الرأي العام، وتحكمه شبكة علاقات ا خارج المراقبة داخل الدولة نفسها. ومصالح قادرة على جعله مجالًا ، " جزيرة ظل " ، أو -إن شئت- أي " جزيرة شر " ووفقًًا لهذا النموذج، يمكن فهم أي بالنظر إلى ما يتيحه المجال الجغرافي المعزول مما لا يتيحه المركز المتصل، ثم إلى الكيفية التي تُُبنى بها شبكات المصالح، عبر التفاهمات والأعراف المؤس ِِّسة، خارج القانون المكتوب والعادات المستقرة. رابعًًا: من الأسطورة إلى الوظيفة: اختبار النموذج في عالم الأساطير؛ حيث يُُفس ََّر كل ما لا يُُدرك بنماذج ذهنية جاهزة، تمثل الشياطين والجن والغرائبيات تفســيرًًا لأحداث الشــر التي لا تُُعرف أسبابها ومسبباتها، وتسود ثنائية المأهول (للبشــر)، وغير المأهول (للجن)، وغير المخيف (البشــر) والمخيف (الشياطين). ويخدم هذا التفســير المخيال الاجتماعي؛ إذ يحيل الغريب إلى عالم الهامش، بعيدًًا عن المركز الإنسي المعروف. غير أن الحداثة، في أبعادها المادية، قدمت تفسيرًًا آخر،

25 |

؛ فتحول الهامش من فضاء للشر المحض إلى فضاء يؤدي وظيفة، أو " الوظيفة " مبناه يشــك ِِّل منصة لتشغيل الشــر المنظ ََّم. وهكذا أصبحت الجزيرة تُُستخدم في السجون والمنافي، والتجارب العســكرية للأســلحة الفتاكة، وصارت موطنًًا للاقتصاد الخفي الهارب من الســوق المنظم وقواعد التجارة والقانون، فاستوطنتها عمليات التهريب، وغســيل الأموال، والشــركات مجهولة مصادر التمويل والمتهربة من الضرائب. كما غدت موطنًًا للقاءات النفوذ بعيدًًا عن أضواء الإعلام وسطوة القانون، وفضاء للقاءات الخاصة؛ حيث اللذة الحرام، والشذوذ بمختلف أشكاله ومظاهره. ولم تعد الجزيرة، في الوعي الحديث، موطنًًا لقوى خارقة، كما كان يعتقد الإنســان قديمًًا، بل غدا الإنســان نفســه هو الذي يحدد وظيفتها ودورها. ومن ثم، فجزيرة إبستين تمثل هزيمة للأسطورة وإثباتًًا لأن الشر الحديث صناعة بشرية، لا تقوم على قوى غيبية، وإنما تحتاج إلى شــبكة نافذة، ومجال مناســب، وقانون مرن، وصمت مطبق. . فبعض الفضاءات " التشك ُُّل الأخلاقي للمكان " وكل ذلك يطرح ما يمكن تسميته بـ الجغرافية ليســت محايدة أخلاقيًًّا بل تمنح بطبيعتها قدرًًا أكبر من الس ُُّلطة، والسرية، والقابلية للاستمرار، والقدرة على ممارسة العنف، وتأمين السلوك المنحرف. فالجزيرة لا تنتج الشر بذاته، وإنما تهيئ شروطه المجالية؛ فكما أن الصحاري تهيئ المجــال للتهريــب، والمضائق للصراع البحري، والجبال لحــروب العصابات، فإن الجزر المعزولة تهيئ اقتصاد السرية والإفلات من الرقابة. جزيرة إبستين: تجسيد لجغرافيا الشر ، وتقع ضمن جزر " ليتل سانت جيمس " هذه الجزيرة مجال كان يُُسم ََّى، كما أسلفنا، خلال فترة ملكيته لها، وتتجلََّى فيها " جزيرة إبستين " العذراء الأميركية، لكنها عُُرفت بـ شروط الاستثناء بوضوح؛ فهي ملكية خاصة، محدودة منافذ الدخول، تتيح قدرًًا عاليًًا من الضبط والتحكم الذاتي، مع صعوبة رقابة المجتمع عليها مقارنة بالأماكن المتصلة بالمركز. وهذا يؤهلها للتحول إلى قاعدة إنتاج، أو عقدة تشــغيل، ضمن شــبكات علاقــات ونفــوذ خاصة؛ فهي، بحكم موقعها، بعيدة عن مراكز العمران، وتبدو نقطة كثيفة الدلالة في عالم البحار الغامض.

| 26

والجزيرة، بهذا المعنى، تناقض منطق الأســطورة؛ فالأســطورة ليســت سوى ستار معرفــي يعيد إنتاج الاســتثناء بدل فضحه؛ إذ يختزل المكان في شــيطنته، فيصرف الأسئلة عن بنيته المؤسسية، وما تقتضيه من حماية وخصوصية، وعن الشروط التي أنتجت الشبكة، وعن تغييب المحاسبة أو إبطائها. وتبرز جزيرة إبستين لحظة كاشفة لإمكانية أن تتحول الجزيرة إلى مجال للإفلات من القانون بل من المحاسبة بجميع أشكالها وأبعادها؛ حيث يُُعاد إنتاج السرية وتتكاثف طبقات الإخفاء بدرجة لم يكن ليتخيلها إنسان الأساطير من قبل. وقد كشفت الجرائم المنظمة التي ارتُُكبت على هذه الجزيرة للرأي العام عن تجاوزات فاقت في اتساعها المعايير القانونية والأخلاقية والسلوكية. ولا تكشــف هذه الجزيرة دور جيفري إبســتين، رجل الأعمال والسياســة، نموذج ًًا فحســب، بل تكشــف أيض ًًا البنية الجيوسياســية المنشــئة لفضاء خارج على الرقابة الفعلية، مع أنه باق داخل النظام القانوني للدولة؛ فكأنه دولة داخل الدولة، أو عضو زائد على أعضاء الجسم، قائم لكنه لا يُُرى ولا يُُرصد.

الموقع الجغرافي لجزيرة ليتل ســانت جيمس (جزيرة إبســتين) ضمن جزر العذراء .) ABC News الأميركية في البحر الكاريبي (المصدر:

27 |

الجزيرة لا المدينة كان السؤال البديهي الذي تردد منذ انكشفت هذه الجزيرة: لماذا اتخذت هذه الشبكة تلك الجزيرة مقرًّّا لها، لا إحدى المدن الكبرى، مثل نيويورك أو واشنطن أو غيرها من الحواضر المعروفة؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لابد من استنطاق الجغرافيا السياسية؛ فالجزيرة تحقق مزايا خمسًًا يصعب اجتماعها في غيرها: - فلا دخول ولا خروج إلا بإذن، ولا تحرُّك داخلها التحكــم الكامل في الحركة: أو خارجها إلا تحت المراقبة، ولا رأيًّا عامًا يطَّلع، أو يناقش، أو ينتقد، أو يوجِّه. - إذ تحقق الجزيرة عزلًا بصريًّــا كاملًاً، فلا يحتاج المجرم فيها العزلــة البصريــة: للتخفي عن الأعين. وهذا مقصد تحققه الجغرافيا السياسية قبل السياسات الأمنية أو الحاجة إلى التواطؤ؛ ذلك أن السلطة الحديثة -كما يلاحظ فوكو- لا تبحث عــن الإخفــاء بقدر ما تبحث عن تنظيم الرؤية؛ أي كشــف المجال العام بصريًّا دون عوائق، أما ما يُخفَى في أحشائه فمتروك لاكتشاف الجرائم عند وقوعها. - فما بين الســلطات الاتحادية والمحلية توجــد منطقة رمادية العزلــة القانونيــة: في الاختصاصات، تَجَسَّــد منطق الاســتثناء وفق منظور أغامبن. ولا يعني ذلك تعطيــل القانون أو غيابه بل يحيل إلى بطء إنفاذ القانون وتداخل الاختصاصات والإجراءات ما بين الاتحادي والمحلي. - إذ تغيب الأعين عن المكان، فهو مغلق بطبيعته، ولا يوجد العزلــة الاجتماعيــة: فيه مجتمع يحاســب أو يراقب، أو يُقوِّم، أو يُبلِّغ، ولا صحافة تُنبِّه، أو تضغط، أو توجِّه، أو تكشف. فالجزيرة تعدِم الشاهد قبل الإشهاد. - فالجزيرة مكان غير مألوف، يقع خارج نطاق النظر اليومي، فتغدو العزلة الرمزية: مجالًا اســتثنائيًّا يســاعد على تحويل الوقائع إلى أساطير، والجرائم إلى سلوك يبدو، مع الزمن، اعتياديًّا.

| 28

مجتمع الشبكات تظهر الجزيرة هنا مؤس ََّسة مكتملة الأركان، واضحة الوظائف؛ فهي جهاز جيوسياسي متكامل، له جغرافيته المملوكة، وقانونه الخارج على القانون، وله أمنه، واقتصاده، بل ، بل " مسرح لجريمة " له سرديته الإعلامية أيض ًًا. ومن ثم، فليست جزيرة إبستين مجرد ا خاص ًّّا واستثنائيًّّا ، يجعل وقوعها ممكنًًا، ويمنحها مجالًا " هندسة الجريمة " جزءًًا من عن غيرها من الجرائم. ليس إبستين هو القضية؛ فاختزالها في شخصه يرقى إلى التمويه عليها، تمامًًا كاختزال أي جريمة عامة في حق فرد واحد ممن قاموا بها، فنحن إن نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية نكون كمن يُُحمِِّل قائدًًا عسكريًًّا منفردًًا المسوؤلية عن جريمة غزو بأكملها! وهنا يبرز دور الجغرافيا السياسية في البحث عن البنية؛ فالشبكة هي الفاعل الحقيقي؛ وليس إبســتين إلا وســيطًًا. ولذلك، ينبغي ألا ينحصر السؤال فيمن كان يتردد على الجزيــرة بانتظام، وإنما الكيفية التي اســتطاعت بها الجزيرة أن تؤدي هذه الوظيفة، ومن الذي ضمن استمرارها؛ وهنا تكمن الشبكة. )، يظهر بوضوح تفسير وضعية هذه 16 لمانويل كاستلز( " مجتمع الشبكات " في نظرية الجزيرة حتى ليبدو وكأن النظرية وُُضعت لتفســير حالتها؛ فهي ليســت المركز بل العقدة؛ وإن شئت، نقطة التلاقي بين النفوذ والمال والسلطة والمتعة الحرام والصمت أو التواطؤ. وهي أشــبه بالخادم في شــبكة الإنترنت؛ لا يملك الشبكة، لكنه يُُشغ ِِّلها . " عقدة عالية الكثافة " ويضمن عملها. وهكذا تغدو الجزيرة، بحسب كاستلز، خامس ًًا: جزر الشر الحديثة: المقارنة والتفسير إذا كان النموذج الســابق قد تشــك ََّل انطلاقًًا من جزيرة إبســتين، فإن قيمته الحقيقية لا تظهــر إلا بقدرته على تفســير حالات أخرى. ومن ثم، نســتعرض نماذج لجزر تسخير " و " توظيف الاستثناء " حديثة تؤدي وظائف مختلفة، لكنها تشترك جميعًًا في لخدمة السلطة، بما يكشف أن جزيرة إبستين ليست استثناء منفردًًا، وإنما " الجغرافيا تعبير عن نمط جيوسياسي أوسع.

29 |

- غوانتانامو: الاستثناء القانوني المجالي 1 قانونية " ، أو منطقة " ثقبًًا قانونيًّّا " في الأدبيات السياســية المعاصرة تُُصنََّف غوانتانامو . إنها منطقة تتمتع بصلاحيات واستثناءات تتجاوز القضاء " ا مستثنى مجال ًا " ، أو " رخوة العادي في الدولة بل تمتد إلى استثناء القضاء الوطني والدولي معًًا؛ إذ تُُقرر الدولة صاحبة الاســتثناء طبيعة القانون، وإجراءات التقاضي، وحدود الولاية القضائية، من دون رقيــب وطني أو دولي. وتََنشــأ هذه الوضعيــة من تركيب قانوني خاص، يمنح المكان -وهو جزيرة مؤج ََّرة للولايات المتحدة الأميركية- وضعًًا اســتثنائيًّّا، تََســن فيــه الولايات المتحــدة قوانينها الخاصة، وتدير من خلاله نظامًًا قانونيًّّا خارج ًًا على القانون، ببُُعديه، الوطني الدولي، كما أسلفنا. اســتغلال الجغرافيا " س ـ ِد جزيرة غوانتانامو في عالم الجغرافيا السياســية فكرة � وتج ، وهو ما يتوافق مع النظريات التي استعرضناها سابقًًا، ويؤكد وضع " لتعليق القانون خليج غوانتانامو ما ذهب إليه لاكوست من أن الجغرافيا أداة لإنتاج القوة، وتجسيد للهيمنة والسيطرة، وليست وصفًًا محايدًًا للمجال. وقد تحوََّلت هذه البقعة الصغيرة في خليج غوانتانامو في الأراضي الكوبية إلى رمز للصــراع بين القانون الدولي وحقوق الإنســان من جهــة، والأمن القومي من جهة أخرى، بل أصبحت استثناء على القانون الداخلي ذاته بحجج سياسية لا تستند إلى أساس قانوني، فأضحت بذلك تجس ِِّد الخروج على القانون في مختلف أبعاده. ، فاتخذتها مطارًًا 1903 كانت غوانتانامو في الأصل مؤجرة للولايات المتحدة منذ عام كيلو 117 وميناء وقاعدة بحرية ومنشــآت عسكرية متعددة، ضمن مساحة لا تتجاوز ، إلغاء عقد الإيجار؛ مما 1959 مترًًا مربعًًا. ولم تســتطع الحكومة الكوبية، منذ عام جعل غوانتانامو حالة اســتثنائية قانونًًا وسياســة؛ فهي أرض كوبية تديرها قوة أجنبية بصورة دائمة، وفق نظام قانوني استثنائي. ويكشف موقع غوانتانامو جانبًًا آخر من وظيفتها؛ فقد اختارتها واشنطن نقطة ارتكاز بين خليج المكسيك، والمحيط الأطلسي، وقناة بنما، لتتمكن من مراقبة أهم الممرات البحرية في غربي الكرة الأرضية. ويتميز هذا الخليج بميناء طبيعي صالح لاســتقبال كبريات القطع البحرية، وبذا شك ََّلت هذه القاعدة رأس الرمح في التدخل الأميركي 11 في أميركا الوســطى، وحماية طرق الملاحة والتجارة في القارة. وبعد هجمات

| 30

، أصبحت قاعدة " الحرب على الإرهاب " سبتمبر/أيلول، وما ترتب عليها مما سُُمي .) 17 غوانتانامو الإطار القانوني الاستثنائي المثير للجدل للاحتجاز والتحقيق( وهنــا تتجســد حقيقة صناعــة الجغرافيا للنفوذ وفق قواعد العــزل؛ فأميركا لم تكن تريــد كوبــا كلها، وإنما أرادت جزءًًا تعزله عن ســيادتها وقانونها، لتحقق به التوازن الإستراتيجي عبر قاعدة بحرية مركزية في الإقليم. ولذلك رفضت التخلي عنها حتى بعد انتهاء الحرب الباردة؛ لأن موقعها يمنحها من النفوذ ما يغني عن السيطرة على النظام الكوبي كله، وما يترتب على ذلك من كلف قانونية وسياسية. ا لإشــكالات قانونية مركبة؛ فهي، من وفي الســياق القانوني، تبــدو غوانتانامو مثالًا المنظــور الكوبي، فاقدة المشــروعية منذ إلغاء عقد إيجارهــا، كما أنها ذات طبيعة ا للقانون الأميركي ولا للقانون الكوبي، بما قانونيــة خاصة فلا تخضع خضوعًًا كاملًا يجعلها ذات طبيعة قانونية استثنائية خارجة عن النظامين القانونِِيََّيْْن ِِ. وهي في اتخاذها محتََج ََــزًًا للمطلوبين أميركيًًّا، تخرج علــى القانون الأميركي، وعلى القانون الدولي، .) 18 وعلى المواثيق الدولية لحقوق الإنسان( وهنا يبدو منظور لاكوســت واضح ًًا في تفسير وضعية غوانتانامو؛ فالإستراتيجية هي التي تحدد قيمة وأهمية المكان. فقد تحولت هذه البقعة الصغيرة، بفعل قرار سياسي، إلى قاعدة عسكرية مُُس ََيطِِرة، تؤمِِّن الملاحة، وتدير ملفات نفوذ في السياسة والقانون ذات أثــر عالمي. ويؤكد ذلــك أن المطلوب ليس ض ََم الأراضي، وإنما التحكم في العقد الإســتراتيجية؛ فالمجال منصة لإنتاج النفوذ، وتنبع قيمته بقدر مما يتيحه من قدرة على التحكم المستمر، وهو ما يؤكد خلاصة رأي لاكوست من أن الجغرافيا، في جوهرها، عِِلْْم بالصراع على المجال، وأن اختيار المواقع يتجاوز كثيرًًا مساحتها الجغرافية. الحرب " وكان اختيار الإدارة الأميركية لغوانتانامو قاعدة لاحتجاز متهمي ما أســمته ، من المنتميــن للقاعدة وحركة طالبان وغيرهمــا، قرارًًا قانونيًًّا في " علــى الإرهاب المقام الأول. فقد وجدت فيها الإدارة الأميركية بغيتها للخروج على قيود دستورها وقانونها، بإدارة هذا الملف في موقع لا تُُلزم نفســها فيه بالخضوع الكامل لقانونها، بما يتيح لها التصرف في المحتجزين على نحو استثنائي.

31 |

وبموجب هذا الاستثناء القانوني، وصفت واشنطن محتجزيها في تلك المنطقة بأنهم ، حتى لا " أســرى حرب " ، وامتنعت عن تصنيفهم " مقاتلــون أعــداء غير شــرعيين " تطبِِّق عليهم قواعد القانون الدولي، ولاسيما اتفاقية جنيف؛ كما حرمتهم من حقوق الموقوفين وفقًًا لقوانين الإجراءات الجنائية الأميركية. ولــذا احتُُجز هؤلاء ســنين طويلــة، وحقََّقت معهم لجان عســكرية من دون توجيه اتهامــات رســمية، أو إحالتهم إلى المحاكمة الجنائيــة العادية. وقد انتقد القانونيون ودعاة حقوق الإنسان في أميركا وغيرها هذا النهج، وعََد ََّوْْه مخالفًًا لمبادئ المحاكمة " ظروف استثنائية " العادلة، بينما تمســكت الإدارات الأميركية المتعاقبة بحجة وجود فرضتها -وفقًًا لمنطقها- مواجهة تنظيمات عابرة للحدود، لا تنطبق عليها، في رأيها، جميع القواعد التقليدية للحروب بين الدول. سـ ِد غوانتانامو تحك ُُّم الجغرافيا فــي القانون وهيمنتها عليه؛ فالموقع هنا � وبذلك تُُج ا اســتثنائيًّّا أعاد صياغة العلاقة بين القانون، والأمن، والســيادة. فتحولت أنتج مجالًا تلك القاعدة من مجرد موقع عســكري إلى مركز للنقاش العالمي بشــأن اســتغلال مكافحة " الجغرافيا لتغيير الإطار القانوني وحدود ســلطة الدولة في ســياق ما تسميه ). وهكذا تعود مقولة لاكوســت إلى الصدارة: إن الجغرافيا وســيلة 19 ( " الإرهــاب لإدارة القوة، وإعادة تعريف حدود القانون، وليست وصفًًا مجردًًا للمكان. - جزر التجارب النووية 2 يجسد اختيار الجزر مسرحًًا للتجارب النووية، الهادفة إلى تطوير أسلحة قادرة على إبادة البشــر، أطروحة إيف لاكوســت في أن الجغرافيا أداة للقوة والهيمنة، وليست فـ ًا محايــدًًا للمكان. فاختيار هــذه الجزر لم يكن وليد المصادفــة، وإنما نتاج � وص حسابات إستراتيجية دقيقة، تداخلت فيها اعتبارات المجال والأمن والسياسة. ومن أبرز هذه الجزر: إحدى جزر المارشــال، وقد أجــرت الولايات المتحدة الأميركية فيها بيكيني أتول: ، " كاستل برافو " ، من بينها تجربة 1958 و 1946 زهاء عشرين تجربة نووية، بين عامي التي تعد أقوى تجربة نووية أميركية، وتســببت في تهجير السكان الأصليين، بعد أن أصبحت غير صالحة للحياة.

| 32

ويكشف اختيار بيكيني عن منطق الجغرافيا السياسية؛ إذ وقع عليها الاختيار لبُُعدها عن البر الأميركي، وقلََّة سكانها، وسهولة عزلها بحريًًّا وعسكريًّّا، والقدرة على مراقبة ا عن خضوعها للإدارة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية. آثار الانفجارات، فضلًا كانت، كســابقتها، موقعًًا للتجارب النووية الأميركية، وشــهدت أربع إنيوتاك أتول: . واختيرت 1952 تجــارب نووية، من بينهــا أول تجربة للقنبلة الهيدروجينية، عــام ا عما تتيحه من للأسباب ذاتها؛ إذ تتسم بالعزلة وقلة السكان وسهولة الإخلاء، فضلًا قياس آثار الانفجارات النووية الكبرى بعيدًًا عن التجمعات الحضرية. تحولت هاتان الجزيرتان إلى ميدان للتجارب النووية الفرنســية موروروا وفانغاتوفا: بعد استقلال الجزائر، واضطرار فرنسا إلى نقل مواقع تجاربها من الصحراء الجزائرية إلــى المحيــط الهادئ. وقد أجرت فيهما عشــرات التجــارب النووية، جو ًًّا وتحت الأرض، بين ستينات القرن الماضي وتسعيناته. وقد وقع الاختيار عليهما لأســباب تؤكد ما سبق بيانه؛ فموقعهما البعيد عن أوروبا، لوقوعهما في قلب المحيط الهادئ، وتبعيتهما المباشرة للإدارة الفرنسية، وما توفرانه من طوق جغرافي عازل، كلها عوامل حد ََّت من ضغوط الرأي العام الفرنسي، ويس ََّرت استمرار تلك التجارب. شــك ََّلت هذه الجزيرة ميدانًًا للتجارب النووية السوفيتية، وشهدت، عام وفايا زيمليا: ، أكبر قنبلة نووية في التاريخ. واختيرت، كســابقاتها، " قنبلة القيصر " ، تفجيــر 1961 لمناخها القطبي، وندرة سكانها وسهولة ترحيلهم، وإمكان فرض السيطرة الكاملة على مجاليها البحري والجوي، إلى جانب قربها من المنشآت العسكرية السوفيتية الشمالية. مثََّلت هذه الجزيــرة موقع التجارب النوويــة البريطانية خلال جزيــرة كيريتيماتــي: خمســينات القرن الماضي، كما اســتخدمتها الولايات المتحدة لاحقًًا. ولم تختلف أسباب اختيارها عن سابقاتها؛ إذ اتسمت بانخفاض الكثافة السكانية، وموقعها النائي .) 20 في المحيط الهادئ، واتساع مساحتها التي تسمح بتكرار التجارب النووية( وبالرجوع إلى أســباب اختيار هذه الجزر، نجد أنها تكاد تنحصر في معايير واحدة، تتمثل في: - العزلــة الجغرافيــة، والبُعد عن المراكز البشــرية الحضرية، بما يقلِّل الخســائر المباشرة، ويحد من احتمالات تسرب المعلومات.

Page 1 Page 2 Page 3 Page 4 Page 5 Page 6 Page 7 Page 8 Page 9 Page 10 Page 11 Page 12 Page 13 Page 14 Page 15 Page 16 Page 17 Page 18 Page 19 Page 20 Page 21 Page 22 Page 23 Page 24 Page 25 Page 26 Page 27 Page 28 Page 29 Page 30 Page 31 Page 32 Page 33 Page 34 Page 35 Page 36 Page 37 Page 38 Page 39 Page 40 Page 41 Page 42 Page 43 Page 44 Page 45 Page 46 Page 47 Page 48 Page 49 Page 50 Page 51 Page 52 Page 53 Page 54 Page 55 Page 56 Page 57 Page 58 Page 59 Page 60 Page 61 Page 62 Page 63 Page 64 Page 65 Page 66 Page 67 Page 68 Page 69 Page 70 Page 71 Page 72 Page 73 Page 74 Page 75 Page 76 Page 77 Page 78 Page 79 Page 80 Page 81 Page 82 Page 83 Page 84 Page 85 Page 86 Page 87 Page 88 Page 89 Page 90 Page 91 Page 92 Page 93 Page 94 Page 95 Page 96 Page 97 Page 98 Page 99 Page 100 Page 101 Page 102 Page 103 Page 104 Page 105 Page 106 Page 107 Page 108 Page 109 Page 110 Page 111 Page 112 Page 113 Page 114 Page 115 Page 116 Page 117 Page 118 Page 119 Page 120 Page 121 Page 122 Page 123 Page 124 Page 125 Page 126 Page 127 Page 128 Page 129 Page 130 Page 131 Page 132 Page 133 Page 134 Page 135 Page 136 Page 137 Page 138 Page 139 Page 140 Page 141 Page 142 Page 143 Page 144 Page 145 Page 146 Page 147 Page 148 Page 149 Page 150 Page 151 Page 152 Page 153 Page 154 Page 155 Page 156 Page 157 Page 158 Page 159 Page 160 Page 161 Page 162 Page 163 Page 164 Page 165 Page 166 Page 167 Page 168 Page 169 Page 170 Page 171 Page 172 Page 173 Page 174 Page 175 Page 176 Page 177 Page 178 Page 179 Page 180 Page 181 Page 182 Page 183 Page 184 Page 185 Page 186 Page 187 Page 188 Page 189 Page 190 Page 191 Page 192 Page 193 Page 194 Page 195 Page 196 Page 197 Page 198 Page 199 Page 200

Made with FlippingBook Online newsletter